Мекканские откровения
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Издатель
دار إحياء التراث العربي
Издание
الأولى
Год публикации
1418هـ- 1998م
Место издания
لبنان
وأنت في ذا وذاك مني . . . كمثل مقصورة الخيام فلو علم الإنسان من أي مقام ناداه الحق تعالى بالصيام في قوله يا أيها الذين آمنوا وأنه المخاطب في نفسه وحده بهذه الجمعية فإنه قال يصبح على كل سلامى منكم صدقة فجعل التكليف عاما في الإنسان الواحد وإذا كان هذا في عروقه فأين أنت من جوارحه من سمعه وبصره ولسانه ويده وبطنه ورجله وفرجه وقلبه الذين هم رؤساء ظاهره وإن كل جارحة مخاطبة بصوم يخصها من إمساكها فيما حجر عليها ومنعت من التصرف فيه بقوله كتب عليكم الصيام واعلم أن الله ناداك من كونك مؤمنا من مقام الحكمة الجامعة لتقف بتفصيل ما يخاطبك به على العلم بما أراده منك في هذه العبادة فقال كتب عليكم الصيام أي الإمساك عن كل ما حرم عليكم فعله أو تركه كما كتب على الذين من قبلكم يعني الصوم من حيث ما هو صوم فإن كان أيضا يعني به صوم رمضان بعينه كما ذهب إليه بعضهم غير أن الذين قبلنا من أهل الكتاب زادوا فيه إلى أن بلغوا به خمسين يوما وهو مما غيروه وقوله كما كتب أي فرض على الذين من قبلكم وهم الذين هم لكم سلف في هذا الحكم وأنتم لهم خلف لعلكم تتقون أي تتخذوا الصوم وقاية فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الصوم جنة والجنة الوقاية ولا يتخذوه وقاية إلا إذا جعلوه عبادة فيكون الصوم للحق من وجه ما فيه من التنزيه ويكون من وجه ما هو عبادة في حق العبد جنة ووقاية من دعوى فيما هو لله لا له فإن الصوم لا مثل له فهو لمن لا مثل له فالصوم لله ليس لك ثم قال أياما معدودات العامل في الأيام كتب الأول بلا شك فإنه ما عندنا بما كتب على من قبلنا هل كتب عليهم يوم واحد وهو عاشوراء أو كتب عليهم أيام والذي كتب علينا إنما هو شهر والشهر إما تسعة وعسرون يوما وإما ثلاثون يوما بحسب ما نرى الهلال والأيام من ثلاثة إلى عشرة لا غير فطابق لفظ القرآن ما أعلمنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد أيام الشهر فقال الشهر هكذا وأشار بيده يعني عشرة أيام ثم قال وهكذا يعني عشرة أيام وهكذا وعدق إبهامه في الثالثة يعني تسعة أيام وفي المرة الأخرى لم يعقد الإبهام فأراد أيضا عشرة أيام وذلك لما قال تعالى ' أياما معدودات ' عدد الشارع أيام الشهر بالعشرات حتى يصح ذكر الأيام موافقا لكلام الله فإنه لو قال ثلاثون يوما لكان كما قال في الإيلاء لعائشة قد يكون الشهر تسعة وعشرين يوما ولم يقل هكذا وهكذا كما قال في عدد شهر رمضان فعلمنا أنه أراد موافقة الحق تعالى فيما ذكر في كتابه ثم قال فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر فأتى بذكر الأيام أيضا وأشار إلى المخاطبين بقوله منكم وهم الذين آمنوا مريضا يعني في حبس الحق أو على سفر وهم أهل السلوك في الطريق إلى الله في المقامات والأحوال والسفر من الأسفار وهو الظهور لأنه إنما سمي السفر سفرا لأنه سفر عن أخلاق الرجال فيه فأسفر لهم المقام والحال في هذا السلوك إن العمل ليس لهم وإن كانوا فيه وإنما الله هو العامل بهم كما قال تعالى ' وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ' فعدة من أيام أخر يعني في وقت الحجاب فإنها أيام أخر حتى يجد التكليف محلا يقبله بالوجوب وقد تقدم الكلام في مثل هذا من هذا الباب فلينظر هناك ثم قال ' وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ' يقول من يطيق الصوم قد خيرناه بين الصوم والأطعام فانتقل من وجوب معين إلى وجوب غير معين عند المكلف وإن كان محصورا وقد علم الله ما يفعل المكلف من ذلك فألحقه بالتطوع فإن كل واحد منهما غير واجب بعينه فأي شيء اختار كان تطوعا منه به إذ له أن يختار الآخر دونه ثم رجح الله له الصوم الذي هو له ليقوم به إذ صفة الصوم من حيث ما هي عبادة لا مثل له فإن قلت فالأطعام صفته أيضا فإنه المطعم قلنا لو ذكر الأطعام دون الفدية لكان ولما قرن بالإطعام الفداء وأضافه إليه كان كأن المكلف وجب عليه الصوم والله لا يجب عليه شيء في الأدب الوضعي الحقيقي إلا ما أوجبه على نفسه ومن حصل تحت حكم الوجوب فهو مأسور تحت سلطانه فتعين الفداء وكان الإطعام فراعى الله الصوم هناك فجعله خيرا له فإنه صفته ألا تراه يقول وفديناه بذبح عظيم من أسر الهلاك إن كنتم تعلمون قد تكون إن هنا يمعنى ما يقول ما كنتم تعلمون أن الصوم خير من الإطعام لولا ما أعلمتكم ويكون معناها أيضا إن كنتم تعلمون الأفضل فيما خيرتكم فيه فقد أعلمتكم يني مرتبة الصوم ومرتبة الإطعام ثم قال شهر رمضان يقول شهر هذا الاسم الإلهي الذي هو رمضان فأضافه إلى الله تعالى من اسمه رمضان وهو اسم غريب نادر الذي أنزل فيه القرآن يقول نزل القرآن بصومه على التعيين دون غيره من الشهور هدى أي بيانا للناس والقرآن الجمع فلهذا جمع بينك وبينه في الصفة الصمدانية وهي الصوم فما كان فيه من تنزيه فهو لله فإنه قال الصوم لي ومن كونه عبادة فهو لك هدى أي بيانا للناس على قدر طبقاتهم وما رزقوا من الفهم عنه فإن لكل شخص شربا في هذه العبادة وبينات فكل شخص على بينة تخصه بقدر ما فهم من خطاب الله في ذلك من الهدى وهو التبيان الإلهي والفرقان فإنه جمعك أولا معه في الصوم بالقرآن ثم فرقك لتتميز عنه بالفرقان فأنت أنت وهو هو في حكم ما ذكرناه من استعمالك فيما هو له وهو الصوم فهو له من باب التنزيه وهو لك عبادة لا مثل لها فمن شهد منكم الشهر فليصمه يقول فليمسك نفسه في هذه الشهرة يعني ينزهها بالذلة والافتقار حتى تعظم فرحته عند الفطر ومن كان مريضا مائلا والمرض الميل أو محبوسا فإن المريض في حبس الحق أو على سفر سلوك في الأسماء الإلهية علم ذوق أو مسافرا عنه إلى الأكوان فعدة من أيام أخر أيام معدودات لا يزاد فيها ولا ينقص منها يريد الله بكم اليسر فيما خاطبكم به من الرفق في التكليف ولا يريد بكم العسر وهو ما يشق عليكم أكد بهذا القول قوله وما جعل عليكم في الدين من حرج فعرف اليسر هنا بالألف واللام يشير إلى اليسر المذكور المنكر في سورة ألم نشرح أي ذلك اليسر أردت بكم وهو قوله فإن مع العسر يسرا في عسر المرض يسر الإفطار ثم إن مع العسر عسر السفر يسرا يسر الإفطار أيضا فإذا فرغت من المرض أو السفر فانصب نفسك للعبادة وهو الصوم يقول اقضه وإلى ربك فارغب في المعونة كان شيخنا أبو مدين رحمه الله يقول في هذه الآية فإذا فرغت من الأكوان فانصب قلبك لمشاهدة الرحمن وإلى ربك فارغب في الدوام وإذا دخلت في عبادة فلا تحدث نفسك بالخروج منها وقل يا ليتها كانت القاضية ولتكملوا العدة برؤية الهلال أو بتمام الثلاثين ولتكبروا الله تشهدو له بالكبرياء تفردوه به ولا تنازعوه فيه فإنه لا ينبغي إلا له سبحانه فتكبروه عن صفة اليسر والعسر فإنه قال في الإعادة وهو أهون عليه فهو أعلم بما قال واحذر من تأويلك وحمله عليك فكبره عن هذا على ما هداكم أي وفقكم لمثل هذا وبين لكم ما تستحقونه مما يستحقه تعالى ولعلكم تشكرون فجعل ذلك نعمة يجب الشكر منا عليها لكوننا نقبل الزيادة والشكر صفة إلهية فإن الله شاكر عليم فطلب منا بهذه الصفة الزيادة لكونه شاكرا فإنه قال ' لئن شكرتم لأزيدنكم ' فنبهنا بما هو مضمون الشكر لنزيده في العمل ' وإذا سألك عبادي عني ' لكونك حاجب الباب ' فإني قريب ' بما شراكناهم فيه من الشكر والصوم الذي هو لي فأمرناهم بالصوم وعرفناهم أنه لنا ما هو لهم فمن تلبس به تلبس بما هو خاص لنا فكان من أهل الاختصاص مثل أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ' أجيب دعوة الداعي ' ' على بصيرة إذا دعاني ' يقول كما جعلناك تدعو الناس إلى الله على بصيرة جعلنا الداعي الذي يدعونا إليه على بصيرة من إجابتنا إياه ما لم يقل لم يستجب لي فليستجيبوا لي أي لما دعوتهم لي من طاعتي وعبادتي فإني ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فدعوتهم إلى ذلك على ألسنة رسلي وفي كتبي المنزلة التي أرسلت رسلي بها إليهم وأكد ذلك بالسين أعني الاستجابة لما علم من إبايتنا وبعدنا عن إجابته لي أي من أجلي لا تعملون ذلك رجاء تحصيل ما عندي فتكونون عبيد نعمة لا عبيدي وهم عبيدي طوعا وكرها لا انفكاك لهم من ذلك وليؤمنوا بي يصدقوا بإجابتي إياهم إذا دعوني وليكن إيمانهم بي لا بأنفسهم لأنه من آمن بنفسه لا بالله لم يستوعب إيمانه ما استحقه فإذا آمن بي وفي الأمر حقه فأعطى كل ذي حق حقه وهذا هو الذي يصدق بالأخبار كلها ومن آمن بنفسه فإنه مؤمن بما أعطاه دليله والذي أمرته بالإيمان به متناقض الدلالة متردد بين تشبيه وتنزيه فالذي يؤمن بنفسه يؤمن ببعض ويكفر ببعض تأويلا لا ردا فمن تأول فإيمانه بعقله لا بي ومن ادعى في نفسه أنه أعلم بي مني فما عرفني ولا آمن بي فهو عبد يكذبني فيما نسبته إلى نفسي بحسن عبارة فإذا سئل يقول أردت التنزيه وهذا من حيل النفوس بما فيها من العزة وطلب الاستقلال والخروج عن الاتباع لعلهم يرشدون أي يسلكون طريق الرشد كما يفعل الموفقون الذين إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلا فيمشي بهم إلى السعادة الأبدية فكانت إجابة الحق إياهم حين دعوه ونهاية طريقهم إلى ما فرحت به نفوسهم من تحليل ما كان حرم عليهم في حال صومهم من أول اليوم إلى آخره فقال أحل لكم ليلة الصيام أي الليلة التي انتهى صومكم إليها لا الليلة التي تصبحون فيها صائمين فهي صفة تصحبكم إلى ليلة عيد الفطر ولو كانت إضافة ليلة الصيام إلى المستقبل لم تكن ليلة عيد الفطر فيها فإنك لا تصبح يوم العيد صائما ولو صمت فيه لكنت عاصيا ولا يلزم هذا في أول ليلة من رمضان فإن الأكل وأمثاله كان حلالا قبل ذلك فمازال مستصحب الحكم فلهذا جعلناه للصوم الماضي الرفث يعني الجماع إلى نسائكم فجاء بالنساء ولم يقل الأزواج ولا غير ذلك فإن في هذا الاسم معنى ما في النساء وهو التأخير فقد كن أخرن عن هذا الحكم الذي هو الجماع زمان الصوم إلى الليل فلما جاء الليل زال حكم التأخير بالإحلال فكأنه يقول إلى ما أخرتم عنه وأخرن عنه من أزواجكم وما ملكت أيمانكم ممن هو محل الوطء هن لباس لكم وأنتم لباس لهن أي المناسبة بينكم صحيحة ما هي مثل ما تلبستم بنا في صومكم حيث اتصفتم بصفة هي لي وهو الصوم فلستم لباسا لي في قولي وسعني قلب عبدي ولست لباسا لكم في قولي بكل شيء محيط فإن اللباس يحيط بالملبوس به ويستره علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم من الخيانة لشهادتي عليكم حين قبلتم الأمانة لما عرضتها عليكم فقلت في حاملها إنه كان ظلوما جهولا ظلوما لنفسه بأن كلفها ما لا يدري علم الله فيه عند حمله إياها جهولا بقدرها وما تيعلق من الذم به إذ أمن خان فيها ولما كان الجهول أعمى وأضل سبيلا لا يدري كيف يضع رجله ولا يرى أين يضع رجله قال ' علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لما حجر عليكم فيما حجره عليكم فتاب عليكم أي رجع عليكم وعفا عنكم أي بالقليل الذي أباحه لكم من زمان الإحلال الذي هو الليل وإنما جعله قليلا لبقاء التحجير فيه في المباشرة للمعتكف في المساجد بلا خلاف وفي غير المسجد بخلاف والمواصل فالآن باشروهن وهو زمان الفطر في رمضان وابتغوا ما كتب الله لكم واطلبوا ما فرض الله من أجلكم حتى تعلموه فتعملوا به من كل ما ذكره في هذه الآية وكلوا واشربوا أمر بإعطاء ما عليك لنفسك من حق الأكل والشرب حتى يتبين لكم الخيط الأبيض إقبال النهار من الخيط الأسود إدبار الليل من الفجر الانفجار الضوء في الأفق ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فأبقى تحجير الجماع على من هذه حالته وكذلك في الأكل والشرب للذي ينوي الوصال في صومه يقول صلى الله عليه وسلم من كان مواصلا فليواصل حتى السحر وهو اختلاط الضوء والظلمة يريد في وقت ظهور ذنب السرحان ما بين الفجرين المستطيل والمستطير وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه يومين ورأوا الهلال تلك حدود الله التي أمركم أن تقفوا عندها فلا تقربوها لئلا تشرفوا على ما وراءها وهنا علم غامض لا يعلمه إلا من أعطيه ذوقا عناية إلهية كالخضر وغيره فربما تزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء كذلك يبين الله آياته أي دلائله للناس إشارة فيتذكر بها لعلهم يتقون يتخذون تلك الدلائل وقاية من التقليد والجهل فإن المقلد ما هو على بينة من ربه وما هو صاحب دلالة وجعله بمعنى لترجي لأنه ما كل من رزق الدليل ووصل إلى المدلول وحصل له العلم وفق لاستعمال ما علمه إن كان من العلوم التي غايتها العمل .
وصل في فصل السحور
Страница 758