485

Мекканские откровения

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Издатель

دار إحياء التراث العربي

Издание

الأولى

Год публикации

1418هـ- 1998م

Место издания

لبنان

Регионы
Сирия
Империя и Эрас
Айюбиды

اعلم إنه صوم يوم ورد به الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم رويناه من طريق أبي داود عن عبد الله بن العلاء عن المغيرة بن قرة قال قام معاوية في الناس يوم مسحل الذي على باب حمص فقال ' يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدم بالصوم فمن أحب أن يفعل فليفعله قال فقام إليه مالك بن هبيرة السبلي فقال يا معاوية أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيء من رأيك قال فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صوموا الشهر وسره فاعلم أن السر ضد الشهرة وبها سمي الشهر شهرا لاشتهاره وتمييزه واعتناء المسلمين به وأصحاب تسيير الكواكب فرغب في الصوم في حال السر والإعلان واعلم أن سر الشهر هو الوقت الذي يكون فيه القمر في قبضة الشمس تحت شعاعها كذلك العبد إذا أقيم في مشهد من مشاهد القرب الذي تطلبه عيون الأكوان فيه فلا تبصره وذلك مقام الأخفياء الأبرياء الذين لم يتميزوا في العامة في هذه الدار تحققا بصفة سيدهم حيث لم يجعل سبيلا إلى رؤيته في هذه الدار لحصول دعاوى الكون في المرتبة الإلهية فقالوا ينبغي أن لا نظهر إلا بظهور مولانا وذلك في الآخرة حيث يقول لمن الملك اليوم فلا يجرأ أحد يدعيه فهناك تظهر هذه الطبقة أن لله أخفياء في عباده وضغائن اكتنفهم في صونه فلما تشبهوا بسيدهم في هذه الصفة من الستر وعدم الظهور لزمهم صوم سر الشهر فإن الصوم صفة صمدانية فاتصفوا بصفة الحق في هذا التقريب كما اتصفوا به في الإعلان في صوم الواجب كشهر رمضان فإنه ظهر هناك باسمه رمضان وسمى به الشهر حجابا عنه تعالى والعامة تقول صمت رمضان والعارف يقول شهر رمضان معلنا فإن الله قال لهم ' فمن شهد منكم الشهر ' وهو إعلان رمضان وضهرته فليصمه إلا المسافر فإن المسافر إليه يسافر ليشهده فما هو في حال شهود في وقت سفره والمريض مائل عن الحق لأن المرض النفسي ميل النفس إلى الكون فلم يشهد الشهر والحيض كذب النفس ولذلك هو أذى في المحل ينافي الطهارة التي توجب القرب وهو الصدق ورد في الخبر الصحيح إن العبد إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به فجاء بالثلاثين الذي هو كمال عدة الشهر القمري الذي استسر في شعاع الشمس فكانت الحائض بعيدة من شهود الشهر لما ذكرناه والحق سبحانه لا يقرب عبده إلا ليمنحه ويعطيه ثم يبرزه إلى الناس قليلا قليلا لئلا يبهرهم بهاء نور ما أعطاه لضعف عيون بصائرهم رحمة بالعامة فلايزال يظهر لهم قليلا قليلا فلا يبددي لهم من العلم بالله الذي أعطاه في حال ذلك السرار الأقدر ما يعلم أنه لا يذهلهم إلى أن تعتاد عيون بصائرهم إلى أن يظهر لهم في صورة كمال الأعطية بالخلعة الإلهية وهو قوله ' من يطع الرسول فقد أطاع الله ' فذلك بمنزلة القمر ليلة البدر فهو القدر الذي كان حصل له ليلة السار في حضرة الغيب من وجه باطنه فإن ضوء البدر كان في السرار من الشمس في الوجه الذي ينظر إلى الشمس في حين المسامتة والظاهر لا نور فيه وفي ليلة الأبدار ينعكس الأمر فيكون الظهور بالاسم الظاهر وكذلك فعل الحق مع عامة عباده احتجب عنهم غاية الحجاب كالسرار في القمر فلم يدركوه فقال ' ليس كمثله شيء ' رحمة بهم فلم يجدوا في أذهانهم ولا في طبقات أحوالهم ما يذهلهم فجاء سرا في رحمة حجاب هذه الآية وهذا غاية نزول الحق إلى عباده في مقام الرحمة لهم ثم استدرجهم قليلا قليلا بمثل ' وهو السميع البصير ' و ' قل هو الله أحد الله الصمد ' وقوله ' ألم يعلم بأن الله يرى ' إلى أن تقوت أنوار بصائرهم بالمعرفة بالله وأنسوا به قليلا قليلا إلى أن يتجلى لهم في المعرفة التامة النزيهة التي لو تجلى لهم فيها في أول الحال لهلكوا من ساعتهم فقال عز من قائل ' وهو معكم أينما كنتم ' فقبلوه ولم ينفروا منه ونسوا حال ' ليس كمثله شيء ' فكان بقاؤهم في ذلك المقام بقطع اليأس لرفع المناسبة من جميع الوجوه ألا ترى أهل الميت تنقطع وحشتهم من ميتهم لأنهم لا يرجون لقاءه في الدنيا فلا يبقى لهم حزن وأهل الغائب ليس كذلك فإنهم لم ييأسوا من لقائه وكتبه وأخباره ترد عليهم مع الآنات إلى وقت اللقاء عند قدومه فسبحان الحكيم الخبير يدبر الأمر يفصل الآيات لعلنا نعقل عنه فلمثل هذا وقع صيام سر الشهر والشهر مثلا مضروبا لمن يعقل عن الله ففي صيام سر الشهر مقام جمعية الهمة على الله حتى لا يرى غير الله وهو قوله صلى الله عليه وسلم لي وقت لا يسعني فيه غير ربي لأنه في تجل خاص به ولهذا أضافه إليه فقال ربي ولم يقل الله ولا الرب ومما يؤيد قولنا إنه يريد بصوم السر من الشهر الجمعية تحضيضه وتحريضه على صوم سرر شعبان وأن يقضيه من فاته فإن شعبان من التفريق ولهذا قيل أنه ما سمى هذا الشهر بلفظ شعبان إلا لتفرق قبائل العرب فيه وكذا قال الله تعالى ' وجعلناكم شعوبا وقبائل ' فالشعوب في الأعاجم كالقبائل في العرب أي فرقكم شعوبا وميز قبيلة من قبيلة وسميت المنية شعوبا لأنها تفرق بين الميت وأهله فكان صيام سرر شعبان آكد من صيام سرر غيره من الشهور لما فيه من التفريق خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل هل صمت من سرر هذا الشهر شيأ قال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه ' وفي طريق أخرى أيضا لمسلم عن ابن عمر ' هل صمت من سرر شعبان ' وفي هذا الفصل علوم وأسرار إلهية يعرفها من تحقق بما نبهنا عليه وأسعد الناس بذلك أهل الاعتبار من الذين يراعون تسيير الشمس والقمر لحفظ أوقات العبادات فإن معرفة منزلة القمر والشمس في ضرب المثل من أعظم الدلائل على العلم الإلهي الذي يختص بالكون والإمداد الرباني والحفظ لبقاء أعيان الكائنات وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أي حاضر فيما يلقي إليه المخبر فيمثله نصب عينيه فكأنه يشاهده فإنه خبر صدق جاء به صادق أمين .

جاء به صادق أمين . . . يخبر عن كل ما يكون

في كل كون بكل وجه . . . من كل صعب وما يهون

مما تراه القلوب كشفا . . . معنى وما تدرك العيون

جاء به من رب الدار يعلمه بما أودع فيها من كل شيء مليح قال تعالى ' وكل شيء فصلناه تفصيلا ذلك لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما .

وصل في فصل في حكمة صوم أهل كل بلد برؤيتهم

خرج مسلم في صحيحه عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدنك وقواك بلدك وأقليمك وعالمك رعيتك وأنت مخاطب بالتصرف فيهم بالقدر الذي حد لك الحق في شرعه وأنت الراعي المسؤول عنهم لا غيرك فإن الله ما كلف أحدا إلا بحاله ووسعه ما كلف أحدا بحال أحد فكل نفس بما كسبت رهينة وكل نفس تجادل عن نفسها وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه فإذا طلع هلال المعرفة في قلبك من الاسم الإلهي رمضان فقد دعاك في ذلك الطلوع إلى الاتصاف بما هو له وهو الصوم فأمرك بتقييد جوارحك كلها الظاهرة وتقييد قواك الباطنة وأمرك بقيام ليله ورغبك فيه وهو المحافظة على غيبه وجعل لك فيه فطرا في أول الليل وأمرك بالتعجيل به وغذاء في آخره وأمرك بتأخير ذلك إلى أن يكون في التأخير بمنزلة من قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وذلك لحكمة التحقق بالاسم الآخر في ليل رمضان كما كنت في يومه فإنك بين طرفي تحليل وتحريم فما خاطبك الحق إلا منك ولاخاطبك إلا بك وهكذا مع كل مكلف في العالم من ملك وجن بل من كل مخلوق حال ذلك المخلوق ينزل الحكم عليه بصفة الكلام سواء ضم ذلك الكلام حروف هجاء أو لم تضمه هو عين الكلام الإلهي في العالم إن الله قال على لسان عبده ' سمع الله لمن حمده ' ولقد أنطقني سبحانه في ذلك بما أنا ذاكره من الأبيات إن شاء الله تعالى :

ناداني الحق من سمائي . . . بغير حرف من الهجاء

ثم دعاني من أرض كوني . . . بكل حرف من الهجاء

وقال لي كله كلامي . . . فلا تعرج على سوائي

ولاترى إن ثم غيري . . . فإنه غاية التنائي

فلما علمت أنه لكل بلد رؤية وماوقف حكم بلد على بلد علمت إن الأمر شديد وإن كل نفس مطلوبة من الحق في نفها لا تجزي نفس عن نفس شيأ وأن تقلب الإنسان في العبادة من وجه بذاته ومن وجه بربه ليس لغيره فيه مساغ ولا دخول وأراني ذلك في واقعة فاستيقظت من منامي وأنا أحرك شفتي بهذه الأبيات التي ما سمعتها قبل هذا لا مني ولا من غيري وهي هذه :

قال لي الحق في منامي . . . ولم يكن ذاك من كلامي

Страница 754