Мекканские откровения
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Издатель
دار إحياء التراث العربي
Издание
الأولى
Год публикации
1418هـ- 1998م
Место издания
لبنان
اعلم أن الناس على أربعة أقسام فيما يعطونه وفيما يأخذونه قسم يستعظم مايعطي ويستحقر ما يأخذ وقسم يستحقر ما يعطي ويستعظم ما يأخذ وقسم يستعظم ما يعطي وما يأخذ ولهذا منهم من ينتقي وهم الذين لا يرون وجه الحق في الأشياء ومنهم من لا ينتقي وهم الذين يهبون وجه الحق في الأشياء وقد ينتقون لحاجة الوقت وقد لا ينتقون لاطلاعهم على فقرهم المطلق فمنهم ومنهم فإن مشاربهم مختلفة وكذلك مشاهدهم وأذواقهم بحسب أحوالهم فإن الحال للنفس الناطقة كالمزاج للنفس الحيوانية فإن مزاج حاكم على الجسم والحال حاكم على النفس ثم اعلم أن استعظام الصدقة مشروع قال تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير وقال وأطعموا القانع والمعتر يعني من البدن التي جعلها سبحانه من شعائر الله قال ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق يعني البدن وفي هذه القصة قال ومما رزقناهم ينفقون وقد ذكرنا في شرح المنفق الذي الإنفاق منه كونه له وجهان فكذلك هنا فنالنا منها لحومها ونال الحق منها التقوى منا فيها ومن تقوانا تعظيمها فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب عند بعض العارفين فلهذا يستعظم ما يعطي إن كان معطيا أو ما يأخذ إن كان آخذا وقد يكون مشهده ذوقا آخر وهو أول مشهد ذقناه من هذا الباب في هذا الطريق وهو أني حملت يوما في يدي شيأ محقرا مستقذر في العادة عند لعامة لم يكن أمثالنا يحمل مثل ذلك من أجل ما في النفوس من رعونة الطبع ومحبة التميز على من لا يلحظ بعين التعظيم فرأيت الشيخ ومعه أصحابه مقبلا فقال له أصحابه يا سيدنا هذا فلان قد أقبل وما قصر في الطريق لقد جاهد نفسه تراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذاود كروا له ما كان بيدي فقال الشيخ فلعله ما حمله مجاهدة لنفسه قالوا له فما تم إلا هذا قال فاسألوه إذا اجتمع بنا فلما وصلت إليها سلمت على الشيخ فقال لي بعد رد السلام بأي خاطر حملت هذا في يدك وهو أمر محقر مستقذر وأهل منصبك من أرباب الدنيا لا يحملون مثل هذا في أيديهم لحقارته واستقذاره فقلت له يا سيدنا حاشاك من هذا النظر ما هو نظر مثلك إن الله تعالى ما استقذره ولا حقره لما علق القدرة بإيجاده كما علقها بإيجاد العرش وما تعظمونه من المخلوقات فيكف بي وأنا عبد حقير ضعيف أستحقر وأستقذر ما هو بهذه المثابة فقبلني ودعا لي وقال لأصحابه أين هذا الخاطر من حمل المجاهد نفسه فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب في حق المعطي وفي حق الآخذ فلاستعظام الأشيساء وجوه مختلفة يعتبرها أهل الله أوحى الله إلى موسى عليه السلام إذا جاءتك من أحد باقلاية مسوسة فاقبلها فإني الذي جئت بها إليك فيستعظمها المعطي من حيث أنه نائب عن الحق تعالى في إيصالها ويستعظمها الآخذ من حيث أن الله جاء بها إليه فيد المعطي هنا يد الحق عن شهود أو إيمان قوي فإن الله يقول إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فأضاف القول إليه والعبد هو الناطق بذلك وقال تعالى في الخبر كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وقد يكون استعظامها عند أهل الكشف لما يرى ويشاهد ويسمع من تسبيح تلك الصدقة أو الهدية أو الهبة أو ما كانت لله تعالى وتعظيمها لخالقها باللسان الذي يليق بها وقوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده فتعظم عنده لما عندها من تعظيم الحق وعدم الغفلة والعثور دائما كما تعظم الملوك الصالحين وإن كانوا فقراء مهانين عبيدا كانوا أو إماء وأهل بلاء كانوا أو معافين ويتبركون بهم لانتسابهم إلى طاعة الله على ما يقال فكيف صاحب هذا المشهد الذي يعاين فمن كان هذا مشهده أيضا من معط وآخذ يستعظم خلق الله إذ هو كله بهذه المثابة وقد يقع التعظيم له أيضا من باب كونه فقيرا إلى ذلك الشيء محتاجا إليه من كون الحق تعالى جعله سببا لا يصل إلى حاجته إلا به سواء كان معطيا وآخذا إذا كان هذا مشهده وقد يستعظم ذلك أيضا من حيث قول الله تعالى ' يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ' فتسمى الله في هذه الآية بكل شيء يفتقر إليه وهذا منها وأسماء الحق معظمة وهذا من أسمائه وهو دقيقة لا يتفطن إليها كل أحد إلا من يشاهد هذا المشهد وهو من باب الغيرة الإلهية والنزول الإلهي العام مثل قوله تعالى ' وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه مع ما عبد في الأرض من الحجارة والنبات والحيوان وفي السماء من الكواكب والملائكة وذلك لاعتقادهم في كل معبوداته له لا لكونه حجرا ولا شجرة ولا غير ذلك وإن أخطؤ في التسمية في أخطؤا في المعبود فلهذا قال ' وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ' فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله وحينئذ عبدوا ما عبدوا فهذا من الغيرة الإلهية حتى لا يعبد إلا من له هذه الصفة وليس إلا الله سبحانه في نفس الأمر فقد تستعظم الصدقة من هذا الكشف وأما استحقارها عند بعضهم فلمشهد آخر ليس هذا فإن مشاهد القوة وأحوالهم وأذواقهم ومشاربهم تحكم عليهم بقوتها وسلطانها وهل كل ما ذكرناه في الاستعظام إلا من باب حكم الأحوال والأذواق والمشاهد على أصحابها فمنها أن يشاهدا مكان ما تعطيه من صدقة إن كان معطيا أو ما يأخذ من كان آخذا والإمكان للممكن صفة افتقارية ودلة وحاجة وحقارة فيستحقر صاحب هذا المشهد كل شيء سواء كان ذلك من أنفس الأشياء في العادة أو غير نفيس وقد يكون مشوبا أيضا في الاستحقار من يعطي من أجل الله ويأخذ بيد الله رأيت بعض أهل الله فيما أحسب فإني لا أزكي على الله أحدا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وقد نهانا الله عن ذلك وقد سأل فقير شخصا أن يعطيه صدقة لله فأخرج الرجل المسؤل صرة فيها قطع فضة بين كبير وصغير فأخذ يفتش فيها بيده وذلك الرجل الصالح ينظر إليه ثم رد وجهه إلي وقال لي تعلم على ما يبحث هذا المتصدق قلت لا قال على قدر منزلته عند الله فإنه يعطي من أجل الله فإذا رأى قطعة كبيرة يعدل عنها ويقول ما تساوي عند الله هذا القدر إلى أن عمد إلى أصغر قطعة وجدها فأعطاها السائل فقال ذلك الصالح هذه قيمتك عند الله ألا كل شيء محتقر في جنب الله لكن هنا كرم إلهي يستند إلى غيرة إلهية وذلك أن الناس يوم القيامة ينادي صادقيهم من قبل الله أين ما أعطى لغير الله فيؤتى بالأموال الجسام والعقار والأملاك ثم يقال أين ما أعطى لوجهي فيؤتى بالكسر اليابسة والفلوس وقطع الفضة المحقرة والخليع من الثياب فغار الحق لذلك أن يعطى لوجهه من نعمته مثل ذلك فأخذ الصدقة بيده ورباها حتى صارت مثل جبل أحد أكبر ما يكون فيظهرها له على رؤس لإشهاد ويحقر ما أعطى لغير الله فيجعله هباء منثورا فلا بد من الاستحقار لمن هذا مشهده وأمثال هذا مما يطول ذكره وقد نبهنا على ما فيه كفاية من ذلك مما تدخل فيه الأربعة الأقسام التي قسمنا العالم إليها في أول هذا الفصل .
وصل في فصل أحوال الناس في الجهر بالصدقة والكتمان
Страница 712