Фасул Фи Такафа

فصول في الثقافة والأدب

Издатель

دار المنارة للنشر والتوزيع

Издание

الأولى

Год публикации

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م

Место издания

جدة - المملكة العربية السعودية

علي الطنطاوي
فصول
في الثقافة والأدب
جمع وترتيب حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزيع

1 / 3

حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الأولى
٢٠٠٧
دار المنارة
للنشر والتوزيع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

1 / 4

مقدّمة
كاد هذا الكتابُ يصل إلى أيدي القرّاء قبل اليوم بشهور، لولا أن الله أراد له التأخير، وفيما يقضي الله خير. وهذا ما حصل:
قرأتم في مقدمة كتاب «نور وهداية» أني قد اشتغلت أسابيع في مراجعة أوراق جدي ﵀ حتى اكتملَت بين يديّ مقالاتٌ وأحاديثُ كاملاتٌ أو شبهُ كاملات، ثم أنفقت أسابيع أُخَر في فرز تلك الأحاديث والمقالات. وقد اعتبرت ذلك العمل فرزًا نهائيًا لكل ما كان بين يديّ من أوراق، وبفراغي منه صارت الخطة واضحة أخيرًا؛ فقد جمعت المؤتلِفَ من الكتابات الكثيرة التي تراكمَت بين يدَيّ وضمَمتُ بعضَه إلى بعض، فتكوّنت منه أصولٌ متعدّدة لكتب من ذوات الموضوع الواحد، وبقي عليّ مراجعةُ هذه الأصول -بعد صَفّها- وتصحيحُها ودفعها إلى المطبعة.
وكان من ثمرة هذا العمل كتاب «نور وهداية» الذي وفق الله إلى إصداره في العام الماضي، وكذلك كان منها هذا الكتاب، «فصول في الثقافة والأدب». غيرَ أني لمّا بدأت بتصحيح مادته وجدت نقصًا في أصول بعض المقالات، وقرأت إشارات -في سواها- إلى مقالات لم أجد لها أصولًا عندي، فعزمت عندئذ على حل هذه المعضلات جميعًا. وفكرت فاهتديت إلى حل؛

1 / 5

تذكرت أيامي الجميلة في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وقد مضى عليها اليومَ ربعُ قرن أو يزيد، وكنت أُمضي في مكتبتها الساعات الطوال، ولطالما أمضيت فيها اليوم إلى آخره وسط الكتب والمراجع، حتى تغلق أبوابها ويضطروني إلى الانصراف.
فذهبت إلى المكتبة المركزية في الجامعة، وعهدي بقسم الدوريات فيها أن فيه طائفة طيّبة من الدَّوْريات القديمة. وظهر أني كنت في ظني على صواب ووجدت فيها ما كنت أملت، فانتدبت نفسي لمراجعة هذا القسم، ودأبت على زيارة المكتبة في الأسبوع ثلاث مرات، أمضي فيها في كل مرة أربعَ ساعات أو خمسًا، وصرّمت في ذلك أشهر الصيف، كلّها أو جلّها، وغربلت عشرات من المجلّدات، فظفرت بمقالات كثيرة لم تكن في يدي من قبل أصولٌ لها، وبذلك ازداد العمل الذي بدأت به اتساعًا واكتمالًا، وباتت «مشروعات» الكتب المُعَدَّة للنشر واضحةً خطّتُها مجتمِعةً مادّتُها.
* * *
أما هذا الكتاب ففيه تنوّعٌ في الموضوع وتنوّعٌ في الزمان؛ فقد صدرت المقالات التي تؤلفه في الثلاثينيّات والأربعينيّات والخمسينيّات، ومنها مقالات وأحاديث من الستينيّات والسبعينيّات، والأقل من مقالاته صدر في الثمانينيّات، في السنوات الأخيرة التي نشر فيها جدي ﵀ سلسلة مقالات «صور وخواطر» في جريدة «الشرق الأوسط»، بعد الفراغ من نشر ذكرياته فيها. ومنها ما كان أحاديثَ عثرتُ على مُسوَّداتها، ومنها مقالات نُشِرت في صحف ومجلات قديمة متنوعة، وقليلٌ منها مخطوطات لم تُنشَر

1 / 6

من قبل ولا أذيعت قط. وهي تتنوع في موضوعاتها وتتباين، وفيها فوائد وفيها عِبَر، وفيها نثر وفيها شعر، وفيها جِدّ وفيها طرائف. وقد رتبتها في الكتاب في نسق، فجمعت ما تآلف منها معًا، وبدأت بالأخفّ منها وانتهيت بالأدسم.
ولقد كان يمكن أن يصدر هذا الكتاب ويصدر معه الكتاب الآخر الذي أعلنت عنه في بعض حواشي «الذكريات» (في طبعتها الجديدة التي صدرت في السنة الماضية بفضل الله)، وهو كتاب «فصول في الدعوة والإصلاح»؛ فقد عزمت على إصدار الاثنين معًا وفرّغت لهما ما قدّرته لازمًا من الوقت، لكن العمل في هذا الكتاب استطال حتى سطا على وقت الآخر، وعطّلني إصدارُ الطبعة الجديدة من كتاب «دمشق» أيضًا، فتأجل إصدار الكتاب الآخر إلى حين.
وامتدّ عملي في هذا الكتاب لأن فيه نصوصًا كثيرة من النثر والشعر تحتاج إلى مراجعة وضبط، فجدّي ﵀ لم يضبط بالشكل إلا أقل القليل من الكلمات في كل ما يكتب، وأنا أحرص -حين أُعِدّ كُتُبَه للنشر- على أن أضبط كل غريب من اللفظ، وكذلك أسماء الأعلام والأماكن، وأتكبّد في ذلك عناء غير قليل، لكني أحتسبُه لأن الظن يغلب عليّ (حتى يقارب اليقين) أن كثيرين يعجزون عن قراءة الكلمات الصعبة وأسماء الرجال المجهولين والأماكن غير المألوفة، إلا أنْ يُضبَط ذلك كله بالشَّكْل. رحم الله الشيخ، فقد كان يكتب لزمان غير هذا الزمان، أو أنه يظن أن عامة القرّاء (وأنا منهم) مثله في العلم فهم يستغنون عن التشكيل في أمثال هذه المواطن.

1 / 7

والشعر خاصة لا يَحسن نشره بغير تشكيل، فهو يفقد وزنه إذا اختلّت قراءته، والألفاظ الغريبة فيه أكثر منها في سواه من النصوص الأدبية. ومن أجل ذلك فقد أنفقت وقتًا طويلًا في مراجعة وضبط الشعر في هذا الكتاب، وهو غير قليل، واضطرني هذا إلى الغوص في الدواوين وكتب الأدب. ثم ألجأتني مباحثُ ومسائل أخرى إلى كتب التاريخ والأعلام وسواها، فما انتهيت من تصحيح الكتاب وإعداده للنشر إلا وقد مررت بعشرات من المجلدات في شتى العلوم والفنون.
* * *
وبعد، فالحمد لله الذي أمدَّني بالهمّة والوقت لإخراج هذا الكتاب، وجزى الله خيرًا كلَّ من ألهمه الله فدعا لي بالبركة في وقتي فأعان على صدوره، وبارك الله في كل من يدعو بالأجر لزوج خالتي، نادر حتاحت، الذي ينشره اليوم، ولي لقاء عملي فيه وفي سواه، وقبل ذلك لجدّي الذي خَطّه أول مرة، ﵀ وغفر له وأكرم مثواه.
مجاهد مأمون ديرانية
جدة: رمضان ١٤٢٨

1 / 8

وقفة عند رِيع اللصوص
نشرت سنة ١٩٨٦
عادتي حين أنزل بلدًا لا أعرف فيه أحدًا أن أركب الترام (إن كان فيه ترام) أو سيارة النقل الجماعي، فلا أنزل منها حتى ترجع بي إلى المكان الذي بدأت منه؛ فأرى البلد وأنا آمنٌ أن أضلّ الطريق أو أتعرض لمكروه.
فلما وصلت مكة للإقامة فيها سنة ١٣٨٤ ما كان فيها إلا سيارات الأجرة الصغيرة (التاكسي) و«خطوط البلدة»، وهي سيّارات ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة، لا هي بالجيدة التي لا تُعاب ولا الرديئة التي لا تُركب، يدعونها «الأَنيسة». فأنِست باسمها لمّا سمعته، ومر على ذهني ما أحفظ من الشعر الذي فيه ذكر الأوانس، من آنسة عنترة بن معاوية بن شداد التي يقول عن دارها:
دارٌ لآنِسةٍ غَضيضٍ طَرْفُها ... طَوْعِ العِناقِ لذيذةِ المُتَبَسَّمِ
ولا أكتمكم طربي لكلمة «لذيذة»، فلو أنه قال «حلوة» أو قال «جميلة» لما بلغ عُشر ما تبلغ كلمة لذيذة. إنها تشعرك كأن ابتسامتها شيء يُذاق! ولكن لا تحسبوا أنها طَوع العناق لكل قادم عليها مائل إليها، إنها تكون إذن بغيًّا، وما كانت نساء العرب

1 / 9

بغايا، وإن دون الوصول إليهن وعناقهن شفرات السيوف وخوض الدم، ولكنها طوع العناق لزوجها.
وذكرتُ آنسات البحتري عند بركة المتوكل:
يا مَن رأى البِرْكَةَ الحَسناءَ رُؤيَتَها ... والآنِساتِ إذا لاحَتْ مَغانيها
أنا رأيت بركة المتوكل ولكنها كانت جافة بلا ماء، وشاهدت آثار هذه المغاني ولكن خالية بلا آنسات، رأيتها بعدما أبلى الزمان جِدّتَها وأذهب بهجتها. هذه البركة -التي كنت أحسب البحتري مبالغًا في وصف سعتها- قسناها لمّا زرناها فوجدنا قطرها يزيد على ثلاثمئة خطوة، لذلك غارت دجلة منها:
ما بالُ دِجْلَةَ (١) كَالغَيرى تُنافِسُها ... في الحُسنِ طَوْرًا وأَطوارًا تُباهيها؟
بيد أن البحتري ما قاسها بالخطى ولا الأمتار، تلك مقاييس جامدة يقيس بها أمثالنا، أما الشاعر فمقاييسه فيها حياة؛ إنه يقيس بالسّمَك:
لا يبلغُ السّمَكُ المَحصورُ غايتَها ... لِبُعْدِ ما بينَ قاصيها ودانيها (٢)
* * *

(١) يخطئ كثير من المذيعين والمتحدثين فيضمّون دال «دجلة»، والذي نص عليه صاحب القاموس المحيط أنها بالكسر أو بالفتح، كلاهما صحيح، واختار ياقوت الكسر، أما الضم فلا وجه له (مجاهد).
(٢) وصفها حين رآها فقال: "ثم انتهينا إلى البركة، ولست أكتم القراء أني كنت أظن أن البحتري يبالغ في وصفها على طريقة الشعراء الخياليين، وأقرر ذلك في دروسي الأدبية وأقول: ما عسى أن تبلغ=

1 / 10

أدَعُ «الأوانس» وأعود إلى «الأنيسة»، إلى السيارة التي ركبتها يومئذ فما أنست بها ولا استرحت إليها، فقد ضاق بي مقعدها حتى يبست رجلاي وتصلّب ظهري وآذى الازدحام جنبي، ولكن كيف الخروج منها؟ يقولون في مصر: «دخول الحمّام ليس كخروجه»! وهذه الأنيسة تشبه الحمّام في حَرّها، يغتسل فيها راكبها من غير أن ينزع ثيابه، لا يغتسل بالماء الذي يُصَبّ عليه بل بالعرق الذي ينصَبّ منه!
وكانت تلك هي المرة الأولى التي أركبها فيها، وكانت هي المرة الأخيرة، فلم أعد بعد ذلك إليها.
جعلت السيارة تدور بنا، وكلما بلغنا موقفًا سمّاه السائق لينزل فيه من يشاء النزول، فوقفنا في موقف فقال: «رِيع اللصوص». فتنبهت كأنْ قد قرصتني نحلة، وشككت في صحة سمعي، فأعاد القول: «ريع اللصوص»!
فعجبت، لأن كلمة «الريع» معروفة وإن تركها الناس، فهي عربية قرآنية (١). ولكن ما بال اللصوص؟ وهل للّصوص حي

= هذه البركة حتى تظل دجلة كالغَيْرى منها، وحتى إن السمك المحصور لا يبلغ غايتها لبعد ما بين قاصيها ودانيها؟ فلما رأيت أنقاضها رأيت شيئًا عظيمًا، رأيت بحرًا، رأيت ميدان سباق! دائرة قطرها نحو مئتي متر، فأكبرتها وهي جافة، فكيف لو رأيتها وهي ممتلئة بالماء؟ إذن لرأيت أكثر مما قال البحتري" (بغداد ص٤٩) (مجاهد).
(١) الآية ١٢٨ في سورة الشعراء: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثون؟﴾. وللريع معان؛ منها الطريق، والصَّوْمعة، وما ارتفع من الأرض كالتلّ أو الجبل (مجاهد).

1 / 11

يجتمعون فيه؟ وتمنيت لو أن اللصوص والمفسدين في الأرض اجتمعوا في مكان محصور، إذن لهان الوصول إليهم وإصلاحهم أو القضاء عليهم. ولو اجتمع البعوض كله في موضع واحد لقُضي على البعوض، لأن نجاته في تفرّقه واختفائه، وأنه يضرب ويهرب ويضرّ ويفرّ فلا يوصَل إليه.
وشرٌّ من الحشرات والبعوض وجراثيم الأمراض قومُ بيغن وشامير، واجتماعُهم في فلسطين من بشائر القضاء عليهم وأن نرى تأويل قوله تعالى فيهم (وقولُه الحق): ﴿وَقَضَيْنا إلى بَني إسْرَائيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًَّا كَبيرًا. فإذا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنا أُولي بَاسٍ شَديدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ، وكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
الأولى التي بعث الله عليهم عبادَه المؤمنين به المُخلصين له هي التي كانت على عهد رسول الله ﵊ وصحابته، الذين جاسوا خلال الديار التي حسبوها يومًا ديارهم (في المدينة)، ثم أُجْلُوا عنها وعن جزيرة العرب فلن يعودوا بعون الله إليها.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأمْدَدْناكُمْ بأَمْوالٍ وبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أكثَرَ نَفيرًا﴾؛ وهذا ما نراه الآن، حين اجتمع في أيدي اليهود -على قلّتهم- أمضى السلاح، وناصرهم أقوى الدول، وجعلهم الله أكثر نَفيرًا في الحرب. ولكن الله يمهّد بذلك للمسلمين -إن عادوا إلى دينهم- لِيَسوؤوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة.

1 / 12