222

فأما ما ذكرت في مسألتك هذه وما تخرج عليه القراءة وتقع وما تبينته فيه وأخرجته من طريق النحو فليس يطرد على ذلك، وكيف يجوز لأحد أن يدخله شك فيما هو أبين من الشمس؛ لأن من شك في هذا ونسبه إلى الملائكة فقد أكذب الله سبحانه وكفر به وسواء عليه نسبه إلى الملائكة أو جحد محمدا صلى الله عليه أو جحد الكتاب؛ لأن الكتاب إنما هو من عند الله، وكذلك النفي عن الملكين من الله وفي ذلك ما يقول عز وجل في الملائكة: {لا يعصون الله ما أمرهم}[التحريم:6] فشهد لهم بالطاعة، ثم قال: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون}[الأنبياء:20]، فشهد لهم تبارك وتعالى بالعبادة واختارهم لوحيه وإنفاذ أمره ونهيه وأتمنهم على ما تعبد به خلقه وقد ذكر الله عز وجل الملائكة عليهم السلام حين قال المشركون: {لولا أنزل عليه ملك}[الأنعام:8]، فقال سبحانه: {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا}[الإسراء:95]، فأخبر سبحانه أنهم لا يطمئنون في الأرض ولا يمشون معهم ولا يبدون لهم، وقال سبحانه في موضع آخر: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون}[الأنعام:8]، فأخبر سبحانه في الآية الأولى بأنهم لا يطمئنون في الأرض مع الآدميين ولا يبدون لهم ولا يوانسونهم وفي هذه الآية الأخرى أخبر سبحانه لو أنه أنزل ملكا لقضي الأمر، يقول لو أنزل ملكا حتى ينظر ويخاطب لقضي الأمر وقامت القيامة؛ لأن ظهور الملائكة للآدميين لا يكون إلا في القيامة أو عند الموت، فهذا أيضا تصديق لما قلنا به؛ لأنه لو تناقض قول الله سبحانه لتضادت أحكامه ولوقع(1) الخلل فيما شرح الله وقص في كتابه ولكان في ذلك من الفساد ما لا يقع معه أبدا سداد والله سبحانه بريء من ذلك لا يختلف قوله ولا يتناقض حكمه الصادق في وعده ووعيده البريء من ظلم عبيده، وقال الله سبحانه في طاعة الملائكة [700] وإبعاد ما يقول به الظالمون فيهم: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا}[مريم:88] يريد أهل الكفر عليهم لعنة الله بذلك الملائكة فقال سبحانه: {بل عباد مكرمون(26)لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}[الأنبياء:26،27]، فشهد لهم بأنهم عباد مكرمون وأنهم لا يسبقونه بالقول، يريد عز وجل أنهم لا يقولون إلا ما أمرهم ولا يمضون إلا ما أمرهم بإمضائه، ثم قال في آخرة الآية: {وهم من خشيته مشفقون}[الأنبياء:28]، فكيف يحل لمسلم أن يقول في من كانت هذه حاله وهذا خبر الله عنه أن منهم من قد عصى الله ونزل مع الخلق وعلمهم السحر هذا قول فاحش عظيم لا يقول به مؤمن ولا عبد عند الله مكرم إلا أن ينقض أمر الله سبحانه ويكذب قوله فيكون من الهالكين وعند الله سبحانه من الملعونين؛ لأن في الملائكة خبرين من الله:

أحدهما أنهم لا يطمئنون في الأرض مع الخلق يحدثونهم ولا يبدون لهم إلى يوم القيامة وأنهم لو بدوا في هذه الدنيا لقامت القيامة ولم يذكر عز وجل أنهم يظهرون في هذه الدنيا إلا لمن ذكر من أنبيائه(1) أو لمن حضرته الوفاة.

والخبر الثاني أنهم لا يعصون الله ولا يسبقونه بالقول، فأثنى

عليهم ومدحهم بالطاعة والعبادة، وفي أقل مما احتججنا به هدى وشفاء لما في الصدور وبرهان واضح في جميع الأمور لا شبه ولا ارتياب، والله نسأله حسن التوفيق للصواب والعون على واضح الجواب.

[تفسير قوله تعالى : ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق]

وسألت: عن قول الله عز وجل: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق}[البقرة:102]، فقلت: ما معنى الخلاق؟

والخلاق فهو الثواب والجزاء، يقول إنه لا جزاء له ولا عمل يعطى عليه.

Страница 229