صلى الله عليه وسلم
قد بلغ من هجرته أن أصبح على أبواب يثرب لم يبق بينه وبينها غير ثلاثة فراسخ، أفيدخلها وليس يعلم ما أعده أهلها لمقدمه، وهو بعد متعب كصحابه ودليله بعد أن قضوا ثمانية أيام يحف بهم الخطر أثناء مسيرهم في الصحراء خلا ثلاثة الأيام الأولى التي قضاها مع أبي بكر في غار ثور؟ أيستريح إلى ظل جبل عير الذي يفصل بين البادية وبينها؟ هذا بريدة شيخ قبيلة بني سهم قد جاء يحييه ويذكر له أن أهل يثرب على أحر من الجمر في انتظاره، وأنهم يخرجون إلى أعالي الجبال والحرار كل يوم يتلمسونه بظاهر مدينتهم حتى تغلبهم الشمس على الظلال في هذه الأيام التي بلغ فيها القيظ حمارته، خير له مع ذلك أن يعدل إلى قباء على فرسخين من يثرب حتى يرى ما الله صانع به، وحتى يستطلع بنفسه جلية الأمر فيما هو مقبل عليه.
وتخطى الرجال الثلاثة جبل عير على رواحلهم في موضع تستطيع الإبل أن تتخطاه، فلما بلغوا ذروته وتنسموا نسيم أعاليه انكشف أمامهم سفحه المواجه يثرب، وامتدت أمام أبصارهم جنات النخيل والبساتين ذات الرواء والبهجة، ما أكرمك ربي! أية طمأنينة يبعثها هذا المنظر الساحر لنفوس أجهدتها المشقة، وقلوب لولا يقينها أن الله معها لانقبضت من الفزع طول هذه الرحلة! هذا وادي العقيق عن يسار عير تبدو فيه أمام النظر منازل هي للنظر أنس وسكينة، وتفصل بينه وبين يثرب حرة الوبرة، وهذه حرة واقم عن اليمين تفصل بين يثرب والعريض، وتقوم منازل بني قريظة وبني النضير أسفلها، وهذه قباء على مقربة من سفح عير تحيط بها البساتين تجري خلالها المياه متفجرة من الآبار فتزيدها رواء وبهجة، وأنس الرسول إلى هذا المنظر وود لو يطيل المكث فوق الجبل لولا حرصه على أن يتحرى أنباء بريدة وأن يعرف مبلغ الحق فيها، وانحرف القوم عن عير متجهين إلى قباء، فلما بلغوها ألفوا عددا غير قليل من المسلمين أسرعوا إليها يستقبلون نبي الله ورسوله وكلهم النشوة والجذل.
لقد انتظروه يومهم هذا كما انتظروه في الأيام التي سبقت، فلما غلبهم القيظ عادوا إلى منازلهم، وإنهم لكذلك إذ سمعوا يهوديا على أطم له يصيح بهم: يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء، إذ ذاك أسرعوا إليه يسألونه! أين رآه، فأشار إلى ناحية قباء، وحث القوم إليها المسير حتى بلغوها قبل أن يبلغها محمد وأبو بكر ، فلما رأوهما أحاطوا بهما إلى دار كلثوم بن الهدم إذ نزل رسول الله كما نزل بها قبله كثيرون من المسلمين الذين سبقوه إلى الهجرة من مكة، ولما استقر به المقام ذهب أبو بكر إلى السنح على مقربة من قباء، فنزل بدار خارجة أحد زعماء الأوس، وفي قباء قضى رسول الله أربعة أيام يقيم الليل بدار كلثوم ويجلس معظم النهار بدار سعد بن خيثمة الأوسي، فيستقبل أنصار الله بيثرب يسألهم عن حالها ويفكر وإياهم في الانتقال إليها، وبينما هو في قباء بلغها علي بن أبي طالب قادما من مكة بعد أن أدى إلى أهلها ما كان لهم عند ابن عمه من ودائع، وفي أربعة الأيام التي أقامها النبي بقباء بنى مسجدها، وكان يعمل فيه بيده ويشاركه المسلمون، فلما اطمأن إلى أنباء يثرب دخلها وأهلها في لهفة وشوق لرؤيته بينهم، ودخلها على النحو الذي تعرفه والذي قصصته عليك في فصل «آثار المدينة».
هذا المسجد الذي بناه رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بقباء هو أول بناء أقيم في الإسلام ليكون مسجدا؛ ولذلك اتفق جمهور المفسرين على أنه المسجد المقصود بقوله - تعالى - في سورة التوبة:
لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ، وإن ذكر بعضهم أن هذه الآية تتناول كذلك مسجد المدينة، واستند إلى أحاديث رواها تؤيد رأيه، وأولية هذا المسجد في الإسلام وقيامه بقباء، أول منزل للنبي بعد هجرته من مكة، يجعل لضاحية قباء ولمسجدها من المكانة في نفوس المسلمين ما يجعل زيارتها مستحبة يوم السبت من كل أسبوع، وكان الناس من أهل المدينة وزوارها يقومون بهذه الزيارة منذ قرون، وما زالوا كذلك يفعلون، وهم كانوا - لا ريب - ولن يزالوا يفعلونه تبركا بالمسجد والآثار النبوية التي به، أو التماسا للعبرة في آثاره.
والأثر النبوي الذي يذكرونه في مسجد قباء ولا يختلفون عليه هو مبرك الناقة، فالمتواتر أن هذا المسجد أقيم حيث بركت ناقة النبي أول ما بلغ قباء؛ والراجح أن يكون هذا صحيحا، ومؤرخو المدينة متفقون على أن دار كلثوم بن الهدم كانت منزل الرسول ودار سعد بن خيثمة التي كانت مجلسه كانتا تجاوران المسجد، وكانت الداران موجودتين ومعروفتين في عهد المطري في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، ويذهب الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في تعليل زوالهما وعفاء آثارهما الآن إلى أنهما بنيتا قبتين إشادة بهما وإبقاء لذكرهما، وأنهما كانتا تقومان حيث تقوم القبتان البيضيتان الواقعتان اليوم على اثني عشر مترا من جنوب المسجد، ورقعة المسجد كانت فضاء مجاورا لدار كلثوم بن الهدم مملوكا له، وكان قد جعله مربدا يجفف فيه التمر، فأخذه رسول الله وبنى به هذا المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، والذي ظل رسول الله يذهب إليه طول مقامه بالمدينة يذكر فيه هجرته وبلوغه منها مأمنه، ويذكر فيه دخول يثرب ونصر الله إياه فيها وإعلاء كلمة الله بانتشار الإسلام بين أهلها.
زرت قباء صبح السبت الثامن والعشرين من شهر مارس في صحبة بينهم الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، وإن السيارة لتجري بنا في طريق واسع مستو إذ قال عبد القدوس: هذا طريق استحدثه فخري باشا عام 1336ه/1915م، لكنه سد بعد الغزوة الوهابية وظل مسدودا حتى اشتراه أمير المدينة اليوم عبد العزيز بن إبراهيم فوقفه طريقا لقباء، أما قبل ذلك فكان طريقها معوجا يتعرج من الشرق إلى الغرب وتحيط به نخيل صغار، كثيرا ما اختبأ فيها الأشرار فآذوا سالكيه، وأغلب الظن أن يكون رسول الله قد سلك هذا الطريق المتعرج بين قباء والمدينة، وأن يكون قد استمتع بجمال نضرته ومرأى المياه الجارية خلاله وبهوائه العذب الرقيق.
Неизвестная страница