فالاحتقار ناشئٌ عن الكِبر، لخبر مسلم: "الكبر بطر الحق وغمص الناس" (١) بمعجمة ثم مهملة، وفي روايةٍ لأحمد: "الكبر سفه الحق وازدراء الناس" (٢)، وفي روايةٍ: "لا يعد الناس، فلا يراهم شيئًا" أي: لأن المتكبر ينظر لنفسه بعين الكمال، ولغيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأن يقوم بحقوقهم.
وتخصيص ذلك بالمسلم لمزيد حرمته، لا للاختصاص به من كل وجه؛ لأن الذمي يشاركه في حرمة ظلمه وخذلانه بنحو ترك دفع عدوه عنه، والكذب عليه، واحتقاره.
نعم؛ احتقاره من حيث الكفرُ القائم به جائزٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾.
(التقوى) وهي: اجتناب عذاب اللَّه تعالى بفعل المأمور وترك المحظور (ههنا، ويشيرُ) بيديه (إلى صدره ثلاث مرات) أي: محل مادَّتها من الخوف الحامل عليها القلبُ الذي هو عند الصدر؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فلا عبرة بظواهر الصور، ومن ثم قال ﷺ: "إن اللَّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٣) أي: أن الأعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة اللَّه تعالى وخشيته ومراقبته، فمن ثم كان نظر اللَّه تعالى بمعنى مجازاته ومحاسبته على ما في القلب من خيرٍ وشرٍّ دون الصور الظاهرة؛ إذ الاعتبار في هذا كلِّه بالقلب؛ كما أفاده قوله ﷺ: "أَلَا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت. . صلح الجسد كله، وإذا فسدت. . فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب" (٤).
وفي الحديث دليلٌ على أن العقل في القلب دون الرأس، ومرَّ ما في ذلك مستوفًى، ووجه مناسبة هذا لما قبله: الإعلامُ بأن كرم الخلق عند اللَّه تعالى إنما هو
(١) صحيح مسلم (٩١) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٩٩) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٣) صحيح مسلم (٢٥٦٤/ ٣٣) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٤) تقدم تخريجه (ص ٢٣١) وهو الحديث السادس من أحاديث المتن.
1 / 561
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]