(لا يقبل) من الأعمال والأموال (إلا طيبًا) أي: لا يثيب إلا على ما يعلمه طيبًا؛ أي: خالصًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، أو حلالًا، سواء أكان بالنسبة لعلمنا أم مشتبهًا، وأما الحرام عنده. . فلا يثيب عليه وإن كان حلالًا عندنا.
نعم؛ القياس أن من تصدَّق بما يظنه حلالًا وهو حرامٌ باطنًا أنه يثاب على قصدِهِ الطاعةَ (١)، وبما قررته يندفع ما أطال به بعض الشُّراح هنا في معنى القبول، وإنما لم يقبل اللَّه الصدقة بالمال الحرام؛ لأن المتصدق تصرَّف فيه، وهو ممنوعٌ من التصرف فيه؛ لكونه مِلْكَ الغير، فلو قبل منه. . لزم أن يكون مأمورًا به منهيًا عنه من جهةٍ واحدةٍ، وهو محالٌ، وهذا معنى ما فهم من فحوى الحديث أن بين الطيب لذاته المقتضي للقبول، والخبيث لذاته المقتضي لعدمه تضادًا يحيل اجتماعهما.
ثم الصدقة بالمال، الحرام إما أن تكون من نحو الغاصب عن نفسه، فهذا هو المراد من الأحاديث الكثيرة في ذلك، المصرحة بأنه لا يُقبَل منه، وأنه لا يُؤجَر عليه، بل يأثم به، ولا يحصل للمالك بذلك أجرٌ على ما قاله جمعٌ، ونقل عن ابن المسيب.
وأما عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه وإلى ورثته. . فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، فيكون نفعه له في الآخرة حيث تعذَّر عليه الانتفاع به في الدنيا.
وقال الفضيل في مالٍ حرامٍ لا يعرف أربابه: (يُتلف ويُلقى في البحر، وهو بعيد) (٢).
وقال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (يحفظ إلى وجود مستحقه إن رُجي) (٣).
(١) قوله: (يثاب على قصده الطاعة) أي: وإن لم يثب على نفس الطاعة التي هي الصدقة، فالصدقة لها جهتا استحقاقٍ للثواب: قصد الطاعة، ونفى الطاعة، وبِبُطلان أحدهما لا يبطل الآخر؛ كما إذا قصد المتصدق بالحلال الرياء. . فإنه يثاب على ذات الصدقة ولا يثاب على القصد، وهكذا في سائر الطاعات، كما صرح الفاضل العدوي في "النفحات" واللَّه تعالى أعلم. (محمد علي الجوخي) اهـ هامش (غ)
(٢) انظر "جامع العلوم والحكم" (١/ ٢٦٨) فقد ذكره وذكر قول الإمام الشافعي ﵀.
(٣) قوله: (إن رجي) فإن لم يرجَ وجوده. . صرفه في المصالح، وإلَّا. . دفعه لمتولي بيت المال حيث كان عادلًا أمينًا. اهـ "مدابغي"
1 / 285
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]