هذه اللمحة السريعة من تاريخ بيت المقدس تنفي الرواية القائلة بأنها لم تقاوم المسلمين، وأن أطربون انسحب منها أول ما جاءه النبأ بمسير الغزاة إليها، وأن أسقفها صفرنيوس لم يلبث حين بلغ عمرو بن العاص أسوارها أن بعث إليه يطلب الصلح على أن يحضر أمير المؤمنين فيتولى عقده بنفسه، فقد رأيت كيف قاومت الغزو في كل تاريخها، وكيف قاومت الفرس قبل عشرين سنة من مجيء المسلمين إليها، ولقد ظفر الفرس يومئذ بالروم في الشام وهزموهم في عدة مواقع، كما ظفر المسلمون بهم في اليرموك ودمشق وفحل وأجنادين، ثم لم يحمل ظفر الفرس المدينة المقدسة على الإذعان دون مقاومة، طبيعي وذلك شأنها أن تقاوم المسلمين كما قاومت الفرس، وأن تصدق الرواية التي تقول إنهم حاصروها شهورا قبل أن تطلب الصلح، وأن ينهار القول بأنها سلمت بالصلح دون مقاومة.
ويجب كذلك أن نستبعد الرواية القائلة بأن خالد بن الوليد أو أبو عبيدة بن الجراح حاصرها أحدهما أو كلاهما، على ما ذكره الطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم، يقول الطبري: «كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة.» وإنما نستبعد هذه الرواية؛ لأن أبا عبيدة وخالدا كانا حين حصار بيت المقدس، في شغل بفتح حمص وحلب وأنطاكية، وبإخضاع ما جاورها من البلاد، وأن هرقل كان إزاءهما بالرهاء يجمع الجيوش لردهما على أعقابهما، وقد كان ذلك كله كما كان حصار بيت المقدس في السنة الخامسة عشرة من الهجرة (636 للميلاد)، والراجح أن حصار بيت المقدس استطال شهورا من تلك السنة، كان هذان القائدان يسيران في أثنائها بأقصى الشمال من سورية حتى يضطرا هرقل فيرحل إلى عاصمة ملكه على البسفور، أما وذلك شأنهما فالقول بأن أحدهما أو كليهما حاصر بيت المقدس قول لا ينهض، ويجب لذلك استبعاده.
بقيت الرواية القائلة بأن عمرو بن العاص هو الذي حاصر بيت المقدس، وأن حصاره لها طال، وأنها قاومته مقاومة عنيفة، وهذه هي الرواية الراجحة في رأينا؛ لأنها تتفق وما عرف عن بيت المقدس من مقاومة كل من أقدموا على غزوها في مختلف العصور، ولأن عمرو بن العاص لم يكن دون أبي عبيدة مهارة في القيادة ومقدرة عليها؛ وحسبه أنه فاتح مصر معقل الروم المنيع، ولعلك تذكر أنه ود، حين وجه أبو بكر الجيوش لغزو الشام أن يكون أميرا عليها، وأن عمر بن الخطاب قال له يومئذ: «إنك إن لم تكن أميرا هذه المرة، فما أسرع ما تكون إن شاء الله أميرا ليس فوقك أحد.» ومن قبل ذلك كان أميرا على الجند الذي عهد إليه أبو بكر في القضاء على ردة قضاعة، رجل ذلك شأنه، وله من الحيلة في الحرب والسلم ما لم يشتهر غيره بمثله، وهو بعد صاحب الإمارة على جيوش المسلمين بفلسطين وصاحب فتحها، هو لا ريب الذي تولى حصار بيت المقدس، وهو الذي أقام على حصارها، والذي دارت محادثات الصلح بينه وبين أهلها.
وقد طال هذا الحصار واشتدت مقاومة المدينة، حتى كتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: «إني أعالج حربا كئودا صدوما وبلادا ادخرت لك فرأيك.» يقول الطبري في رواية: إن أهل إيلياء «كانوا أشجوا عمرا وأشجاهم، ولم يقدر عليهم ولا على الرملة.» لذلك أمده الخليفة بجند عظيم ليتقوى به ويقدر عليهم.
هل سار عمر من المدينة مع هذا الجند، أو بقي بها حتى فاوض أهل بيت المقدس عمرا في الصلح واتفقوا على تسليم المدينة على أن يأتي الخليفة بنفسه ليكتب عهدها؟ المشهور أن عمر لم يترك المدينة إلا ليتم الصلح مع أهل إيلياء، وأنه لذلك ذهب في نفر قليل، وبعض الروايات تجري بما يخالف هذا المشهور، روي عن عدي بن سهل أنه قال: «لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين استخلف عليا وخرج ممدا لهم، فقال علي: أين تخرج! إنك تريد عدوا كلبا.» وفي رواية ذكرها ابن كثير «أن عمر ذهب إلى فلسطين يتم الصلح مع أهل إيلياء، وأنه سار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب.» ومن عجب أن يسير عمر بالجيوش لغير شيء إلا أن يتم الصلح ويكتب عهده، ومن عجب كذلك أن يطلب أهل بيت المقدس أن يقدم عمر من المدينة ليتم الصلح معهم وهم يعلمون أن بينه وبينهم مسيرة أسابيع ثلاثة تطرد العير في أثنائها مقبلة من المدينة إليهم؛ لذلك أرجح أن عمر ضاق صبرا بطول الحصار وبكتب عمرو إليه عن بأس عدوه، وأنه أمده، فلما طلب إليه مددا جديدا خرج مع المدد حتى نزل الجابية بين بادية الشام وأرض الأردن، وكان أبو عبيدة وخالد بن الوليد قد فرغا من إخضاع الشام، فدعاهما ليوافياه إلى الجابية حتى يتشاور معهما ومع غيرهما من قواد المسلمين في أنجع الطرق للقضاء على مقاومة المدينة المحصورة.
وعرف أطربون وصفرنيوس مقدم عمر، وعرفا ما نزل بالروم على أيدي أبي عبيدة وخالد من المصائب، وقدرا أن المدينة لن تستطيع المقاومة طويلا من بعد، فانسحب أطربون مستخفيا في قوة من الجند إلى مصر؛ فلما اطمأن البطريق الشيخ إلى نجاته تولى مفاوضة المسلمين في تسليم المدينة، وإذ كان قد علم أن أمير المؤمنين بالجابية فقد اشترط أن يأتي بنفسه ليكتب عهدها، وليس بين الجابية وبيت المقدس ما يتعذر إجابة صفرنيوس إلى طلبه.
هذا ما أرجحه، وما يتفق وسياق التاريخ لوقائع الغزو بالشام وفلسطين، والرواية المشهورة لا تأباه ولا تنكره مع أنها تخالفه في أن عمر إنما سار من المدينة بعد أن طلب أهل بيت المقدس الصلح، مشترطين أن يتولاه الخليفة بنفسه، وأصحاب هذه الرواية يختلفون بينهم فيمن بعث بمطلب أهل إيلياء أن يقوم عمر بمصالحتهم أكان أبا عبيدة أم عمرو بن العاص؛ كما يختلفون في السنة التي تم فيها فتح المدينة، ولست أناقش أقوالهم ابتغاء تمحيصها بعد ما رجحت ما يخالفها، فحسبي أن أثبت هنا هذه الرواية المشهورة عن سير عمر من المدينة إلى إيلياء.
ومجمل هذه الرواية أن عمر تناول كتاب قائده بالذهاب إلى فلسطين فقرأه على المسلمين بالمسجد واستشارهم فيه، ورأى عثمان بن عفان ألا يبرح عمر المدينة: «فأنت إن أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستعد، فلم يلبثوا إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية.» وخالف علي بن أبي طالب رأي عثمان وأشار على عمر بالسير إلى إيلياء، فقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام ... «فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح، ولست آمن أن ييأسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم، لا سيما وبيت المقدس معظم عندهم وإليه يحجون.» وآثر عمر رأي علي وأخذ به، فاستخلفه على المدينة، وأمر الناس بالتأهب للسير معه.
وسار عمر من المدينة حتى نزل الجابية
5
Неизвестная страница