كان هرقل حسن القصد لا ريب حين أراد تحقيق الوحدة المذهبية، لكنه نسي حقيقة لو ذكرها لسار غير سيرته، ولما تغير الناس عليه، فتوحيد القوانين تيسيرا للمعاملات بين الناس أمر مرغوب فيه، بل أمر واجب، ومهما يكن من اختلاف الرأي في صلاح القانون الذي ينظم هذه المعاملات فمن المستطاع تغييره يوم يخشى سوء أثره، لكن حرية الضمير في أمر العقيدة لا يمكن أن يحد القانون منها أو أن ينظمها، فهذه الحرية ملاك حياتنا الإنسانية، كما أن الهواء ملاك حياتنا المادية، لذلك يضيق الناس بكل حد منها، ويثورون أعنف الثورة بمن يحاول القضاء عليها، وزعماء الكنيسة وأئمة المذاهب أحرص على حريتهم وعلى حرية الناس في هذا الأمر، فلن يتفقوا على حده وتقييده، ذلك بأنهم إن قيدوه ضعف سلطانهم الروحي على النفوس وتزعزعت مكانتهم في القلوب، وهذا ما حدث بالفعل حين اختار هرقل أسقفا لأنطاكية، وآخر لبيت المقدس، وثالثا للإسكندرية، وفرض على الناس أن يقبلوا المذهب الذي أقره مجمع خلقدونية، فلم ينزل واحد من هؤلاء الأساقفة عن مذهبه ولا عن حرية رأيه، ثم اختلفوا في سياستهم باختلاف طباعهم، فاضطهد أسقف الإسكندرية المصريين ليحملهم على تغيير مذهبهم، ولجأ أسقف بيت المقدس إلى الحيلة، وكان أسقف أنطاكية أوسع صدرا، ولو أن هرقل لم يفرض مذهبا ولم يلزم الناس اعتناقه لما انصرفت عنه النفوس ولا تغيرت عليه القلوب، ولقد بلغ من تغيرها أن وقف أهل الشام حين غزا العرب بلادهم لا تتحرك في نفوسهم الحماسة لدفعهم، بل كان كثير منهم يضرعون إلى الله في أعماق نفوسهم أن تزول دولة قيصر عنهم، كتب أبو الفرج العبري يقول: «لما شكا الناس إلى هرقل لم يجب جوابا، ولهذا أنجانا الله المنتقم من الروم على يد العرب، فعظمت نعمته لدينا أن أخرجنا من ظلم الروم وخلصنا من كراهتهم الشديدة وعداوتهم المرة.»
فداحة الضرائب، وحقد اليهود، والاضطهاد الديني؛ هذه عوامل ثلاثة جعلت المدنيين من أهل الشام ينظرون إلى الروم المحاربين فلا تحركهم حماسة لنصرهم، أو حرص على معاونتهم، وثم عامل رابع تضافر مع هذه العوامل الثلاثة التي أدت إلى هزيمة هرقل وفراره من سورية، فلم تكن حماسة العرب المقيمين على تخوم بادية الشام لتدفعهم إلى الاستماتة في قتال بني عمومتهم من أبناء شبه الجزيرة، ولعل جبلة بن الأيهم كان أكثر هؤلاء العرب حماسة في نصرة هرقل، فهو مدين بملكه للروم الذين عززوه ونصروه وجعلوا له من المكانة ما يخشى أن يزول إذا انتصر المسلمون، مع ذلك لا تروي كتب التاريخ من مظاهر هذه الحماسة إلا تلك القصة المرجوحة التي أشرنا إليها حين الحديث عن فتح قنسرين، والتي لا يثبتها المؤرخون الثقات في كتبهم، أما والجو الذي أحاط بهرقل وجنوده هو ما رأيت، فلا عجب أن تدور عليه الدوائر وأن يأفل نجمه، وأن يفر إلى بزنطية كاسف البال حسيرا مدحورا.
وهذه العوامل هي التي جعلته يدع لغيره قيادة جيشه، فقد سمع بفعال العرب في العراق لعهد أبي بكر فآثر أن يقوم تذارق إلى اليرموك في عدد ضخم من الجند، فلما هزم الجيش وقتل تذارق رأى ألا يغامر بنفسه مخافة أن ينهزم فيدفن في الميدان كل مجده، ولعله ذكر يومئذ رسالة النبي العربي يحملها إليه دحية بن خليفة الكلبي وهو في طريقه إلى بيت المقدس يرد الصليب الأعظم إلى قبر السيد المسيح، وذكر كيف استهان بهذه الرسالة ولم يكترث لها، وها هو ذا يرى العرب الذين اتبعوا محمدا وآمنوا برسالته ينتشرون في الأرض ويندفعون إلى بلاده غزاة فاتحين، يستحبون الموت على الحياة فيهب الله لهم كل أنعم الحياة، أين منهم جنوده الذين لا يصبرون على البأساء ولا يجدون في الفرار عارا! وكيف لهرقل وذلك شأنه وشأن جنده أن ينتصر؟ بل وكيف له ألا ينحدر من قمة المجد إلى حضيض الهوان؟ لقد نسي أن لله في الكون سننا لا تبديل لها، وأن جهل هذه السنن يؤدي بالناس إلى الخطأ ويورطهم في الضلال، وهذا النسيان هو السبب فيما أصابه، وما جعله في التاريخ عبرة المعتبر.
رأى جبلة بن الأيهم مصير هرقل، ورأى قبائل العرب من أهل الشام يهرع الكثيرون منهم إلى الإسلام، فأيقن أن لا بقاء لملكه ولا لعزه إلا أن يسلم ويسلم ذووه معه، وكتب إلى أبو عبيدة بإسلامه وإسلام بني غسان، فاغتبط أمين الأمة، وأبلغ النبأ أمير المؤمنين فاغتبط عمر له، ثم إن جبلة كتب إلى عمر يستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فخرج إلى المدينة في خمسمائة من أهل بيته، وأمر عمر الناس باستقباله، فلم يبق بالمدينة بكر ولا عانس إلا تبرجت وخرجت تنظر إلى جبلة وإلى زيه، وكان جبلة قد أمر مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قرطا مارية جدته، وأعجب أهل المدينة بذلك كله فلما انتهى جبلة إلى عمر رحب به ولطف له وأدنى مجلسه.
وأقام جبلة بالمدينة زمنا ثم خرج مع عمر، فبينا هو يطوف بالبيت وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحنى، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، واستعدى الرجل عمر، فدعا جبلة وسأله فأقر بما حدث، قال عمر: «قد أقررت فإما أن ترضي الرجل، وإما أن أقيده منك.» وأنكر جبلة ما سمع وقال: «وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟!» قال عمر: «إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله بشيء إلا بالتقى والعافية.» قال جبلة: «قد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.» قال عمر: «دع عنك هذا، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك.» قال جبلة: «إذن أتنصر». قال عمر: «إن تنصرت ضربت عنقك؛ لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك.» فلما رأى جبلة الصدق من عمر قال: «أنا ناظر في هذا ليلتي هذه.»
وكان قد اجتمع بباب عمر من شتى الأحياء خلق كثير يعجب بعضهم لحزم عمر، ويرى بعض فيه شدة ما أغناه عنها، وبلغ من اختلافهم أن كادت تقوم بينهم فتنة، فلما أمسوا تفرقوا وأذن عمر لجبلة في الانصراف، وأسر جبلة إلى رجاله فتحملوا بليل إلى الشام فأصبحت مكة منهم خالية، وتابع جبلة مسيرته إلى القسطنطينية، فدخل على هرقل متنصرا هو ومن معه، فسر بهم هرقل وظن أنه فتح من الفتوح عظيم، وأقطعه حيث شاء وأجرى عليه ما شاء.
6
وعاش جبلة في جوار هرقل عيش ترف ونعمة يضاهئان ما كان له في ملكه بالشام أو يزيدان عليه، لكنه ظل مع ذلك دائم الحنين إلى منازله بأكناف دمشق، روى أبو الفرج في الأغاني أن عمر بعث رجلا إلى هرقل بكتاب منه، فلما أزمع الرجل الرحيل ذهب إلى جبلة فرأى ما هو فيه من عز يزيد على عز هرقل نفسه، ورأى الجواري حوله يغنينه وينشدنه شعر حسان بن ثابت فيه، وسأل جبلة الرسول عن حسان فقال: أما إنه مضرور البصر كبير السن، فأمر جاريته فأتته بخمسمائة دينار وخمسة أثواب من الديباج دفعها إلى الرسول ليدفعها إلى حسان، ثم راود الرسول على مثلها لنفسه فأبى، فبكى جبلة، ثم قال لجواريه: ابكينني، فوضعن عيدانهن وأنشأن ينشدن قول جبلة:
تنصرت الأشراف من عار لطمة
وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
Неизвестная страница