18 ، ومثل هذا كثير.
على كل حال فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث، وخاصة المتأخرين أنهم عدلوا كل صحابي، ولم يرموا أحدا منهم بكذب ولا وضع، إنما جرحوا ونقدوا من بعدهم، وقد بدأ الكلام في الجرح والتعديل من عهد الصحابة، فقد رويت أقوال في ذلك عن عبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت وأنس، وكثر القول في ذلك من التابعين كالشعبي وابن سيرين والحسن البصري وسعيد بن المسيب، ثم تتابع القول فيه.
وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فأهل السنة يجرحون كثيرا من الشيعة؛ حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود؛ وكذلك كان الشيعة مع أهل السنة فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت؛ وهكذا، ونشأ عن هذا أن من يعدله قوم قد يجرحه آخرون، قال الذهبي: «لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة»، ومع ما في قوله من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريح والتعديل، ولنضرب لك مثلا محمد بن إسحاق - أكبر مؤرخ في حوادث الإسلام الأولى - قال فيه قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق، وقال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال سفيان: ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق، وقال الدارقطني: لا يحتج به وبأبيه، وقال مالك: أشهد أنه كذاب ... إلخ.
وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فقل أن تظفر بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجربية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث «لا يبقى على ظهر الأرض بعد مئة سنة نفس منفوسة»، وحديث «من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل».
وكذلك قسموا الحديث بحسب قوته والأخذ به إلى أقسام، وسموا كل نوع اسما، فقسموه إلى متواتر وآحاد؛ فالمتواتر ما رواه جماعة يؤمن من تواطئهم على الكذب عن جماعة كذلك إلى رسول الله، وهذا يفيد العلم، وقد قال قوم: إن هذا النوع لم يوجد، وعد منه قوم حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وزاد بعضهم أحاديث لا تتجاوز السبعة، وأما أحاديث الآحاد فهي غير المتواترة، وهي لا تفيد العلم عند أكثر الأصوليين والفقهاء، وإنما يجوز العمل بها عند ترجح صدقها؛ وقد قسموا أحاديث الآحاد إلى درجات حسب قوتها، لا نطيل بذكرها. •••
وقد اختلف الصحابة في الحديث عن رسول الله كثرة وقلة، وأكثرهم حديثا أبو هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر، وأنس بن مالك؛ فحديث أبي هريرة 5374 حديثا، ولعائشة 2210، ولعبد الله بن عمر وأنس بن مالك ما يقرب من مسند عائشة، ولكل من جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس أزيد من 1500، على حين أنا نجد مثلا لعمر بن الخطاب 537 حديثا لم يصح منها إلا نحو الخمسين
19 ، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طول حياتهم بعد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكثرة من أخذ عنهم.
Неизвестная страница