شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل
شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل
Жанры
لَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ، وَلَا يُشْبِهُ الْأَنَامَ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ، خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ.
_________
هذه الجمل التي سمعنا من هذا المتن العظيم -الذي هو متن العقيدة الطحاوية- متصلة بما قبلها، والكلام فيما تقدَّم كان عن وصف الله ﷿ بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.
فقال رحمه الله تعالى في وصفه ﷾ (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْركُهُ الأفْهَامُ، وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) وهذه كما ذكرنا لك فيما سلف عامة في جميع الصفات وأنّ صفات الحق ﷿ لا تشبه صفات الأنام بالقيد الذي ذكرناه لك مُفَصَّلًَا فيما سلف.
وبعدها ذَكَرَ جملة من ما يُفارق به وصف الله ﷿ صفة المخلوق فقال بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ، خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مَؤُونَة، مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) .
وهذه الصفات هي صفاتٌ وأسماء للحق ﷿، فإنّ صفة الحياة ثابتةٌ له ﷿، وكذلك صفة القيومية وصفة الخلق والرَّزق والإماتة والبعث له سبحانه.
وهو سبحانه المحيي والحي وهو القيوم ﷿ كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكما قال ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١-٢]، وكذلك صفة الخَلق وصفة الرَّزق وغير ذلك من الصفات.
فأسماء الله ﷿ كما هو معلوم مشتملة على صفات، وصفات الحق ﷿ مباينة لصفات المخلوق من جهات:
١ - الجهة الأولى: أنّ الرب ﷿ يتصف بالصفة على وجه الكمال، والمخلوق يتصف بالصفة على وجه النَّقص.
٢ - الجهة الثانية: أنَّ الرب ﷿ صفاته متلازمة؛ لأنه سبحانه له الكمال المطلق، وله الصفات العُلا الكاملة من كل وجه، وأما المخلوق فصفاته غير متلازمة بل قد يكون فيه جملة من صفات النقص، ويكون ثَمَّ فيه بعض الصفات التي هي كمال في حقه، وإن كانت في الجملة لا يتصف بها إلا لنقصٍ فيه.
٣ - الجهة الثالثة: أنّ اتصاف المخلوق بالصفات وإن كان في أصل المعنى مشتركة مع صفات الحق ﷿ لكنه اتصف بها على وجه الحاجة إليها، وأما الرب ﷿ فهو متصف بصفاته لا على وجه الحاجة إلى آثار الأسماء والصفات؛ فمثلا المخلوق يُقدِّرُ أو يُقِيْمُ الأشياء لحاجته، ويخلق ما يخلق لحاجته، والله ﷾ (خَاِلقٌ بِلا حَاجَة) ويَهَبُ المخلوقُ ويَرْزُقُ لحاجته، والله ﷾ يهب ويرزق ويُعطي وهو الغني ﷿ ﴿أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وهكذا في بقية الصفات.
فإذًا اتصاف المخلوق بالصفات التي يشترك فيها من حيث أصل المعنى مع الرب ﷿ هو اتصاف على سبيل النقص، وهذا الاتصاف مع ضَمِيْمَةِ ما سبق أنْ ذكرنا لك فيما سلف لا يشبه فضلا أن يماثل صفات الرب ﷿.
لهذا فصَّل الطحاوي ﵀ بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) بعض صفات الحق ﷿ التي يتصف بها وفارق بها صفة المخلوق الذي ربما اتصف بتلك الصفات.
1 / 45