Исследования в литературных и социальных течениях
دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية
Жанры
فإذا كان للتجديد في موضوع الشعر وجهة فهذه هي الوجهة التي أمامنا، ولتكن سبيلها الرواية المسرحية أو الحادثة العالمية أو الأوصاف الإقليمية، فإنما العبرة بالملكة التي توحي المعاني في جميع الموضوعات، وليست بالعناوين التي نخلعها على هذه الموضوعات.
والفرق بين الشعر الغنائي والشعر المركب المتجاوب هو الفرق بين الربابة وبين الفرقة الموسيقية التي نسمع منها عشرات المعازف في نغمات متعددة مع التناسق بينها والوحدة في مجموعها، وينبغي أن نذكر هنا أن التنوع والتجاوب هما المقصودان بالتصرف والتجديد، وليس المقصود هو كثرة الآلات التي تعزف عليها في وقت واحد، فإن ألف ربابة توقع لنا لحنا واحدا هي أسلوب ساذج بغير تصرف، وقد يكون التصرف كل التصرف في ربابة ومزمار ودف وقيان تختلف وتتجاوب وتفلح في الارتفاع بالشعور من البساطة والانفراد إلى التجاوب والتركيب.
ولكن الخير أن نبقى كما نحن، وأن نقصر نظمنا على الشعر الغنائي، إذا كنا ننظم في الموضوعات الجديدة تقليدا للذين سبقونا إلى النظم فيها، فإن التقليد نقيض التجديد، والدرهم الصحيح أنفس من الدينار الزائف، يحكي الزائف الذهب باللون والصورة ولا يحكيه بالمعدن والقيمة.
ومن أمثلة الدعوات الزائفة إلى التجديد أن يسمع بعضنا بالشعر الإقليمي في اللغة الإنجليزية - وأكثره من شعر الأمريكيين - فيخطر له أن الشعر الإقليمي اختراع واختيار، وينسى أنه واقع طبيعي لا محل لفرضه على الشعراء؛ حيث لا تفرضه عليهم طبيعة الحياة، وفي أمريكا أقاليم لا تتشابه في الموقع ولا في المكان ولا في المعيشة، فهم لا يختارون الإقليمية في الشعر ولا في الجغرافية، ونحن هنا لن نستطيع أن نزرع قمحا في التربة المصرية دون أن يصبح قمحا إقليميا باختيارنا أو بغير اختيارنا، ومن قال لشاعر «كن إقليميا»، فقد قال له «كن مقلدا»، ولكنه إذا كان من طبيعته منتميا إلى إقليمه فلا حاجة به إلى الأمر والإرشاد.
كذلك يقول بعضهم متعجبا: هل توحي حرب طروادة إلى هوميروس بالإلياذة ولا تظهر في العصر الحديث إلياذة أضخم منها بعد الحرب العالمية العظمى؟
ولو كان هؤلاء القائلون يفهمون وحي الابتكار في الشعر لما خطر لهم أن شاعرا عصريا ينبغي أن ينظم إلياذة في الحرب العالمية؛ لأن شاعرا قديما نظم إلياذة في حرب طروادة، من أين لهم مثلا أن هوميروس كان ينظم في الحرب العالمية إلياذة لو أنه عاش في زماننا؟
من أين لهم أن ضخامة الحرب هي التي توحي بالنظم فيها؟ فقد تكون الحرب بين عشرين فارسا متقابلين أعنف في إثارة النفس من حرب الملايين بين الخنادق لا يشهد بضعهم بعضا، ولا يعرفون من الحركة غير ضغط الزناد!
كذلك لا يفقه التجديد من يحسب أن الشعر المسرحي - حيث كان - أرفع من الشعر الغنائي في كل موضوع؛ فإن الشاعر المسرحي الذي لا يرسم لك شخصية واحدة صحيحة أقل من الشاعر الغنائي الذي يتحدث لك عن غناء البلبل فيصدقك الحديث والشعور، فكل فضل الشاعر في الملكة التي توحي إليه شعره دون العناوين التي يطلقها على موضوعاته، ونحن لا نفضل الشاعر المسرحي على الشاعر الغنائي إلا لأن الشاعر المسرحي يستطيع شعر الغناء ويستطيع زيادة عليه، وهذه الزيادة عليه هي الحس المتجاوب في النفوس المتعددة، فإن كان يملك هذا الحس فهو صاحب الفضل بهذه الملكة أيا كان الموضوع الذي يختاره لنظمه، وإن لم يملكها فالموضوع لا يعطيه ملكة هو محروم منها.
وإذا كان التجديد هو اجتناب التقليد، فالتجديد هو اجتناب الاختلاق، والمختلق هو كل من يجدد ليخالف، وإن لم يكن هناك موجب للخلاف، إن الذي يمشي على يديه يأتي بجديد ويدل على براعة لا يستطيعها من يمشي على قدميه، ولكننا قد نضع في يده درهما وقد نزج به في مستشفى المجاذيب، ولا نمشي على الأيدي من أجل تلك البراعة وذلك الاختلاف أو الاختلاق.
نجدد فلا نقلد ولا نختلق، ونحن مجددون كما ينبغي - وكأحسن ما ينبغي - إذا خرجنا بالشعر العربي من لحن الربابة إلى لحن الفرقة الموسيقية، شعورا منا بتعدد النغمات النفسية، لا مجرد المباهاة بكثرة المعازف وإيقاع الضجيج.
Неизвестная страница