651

وجوابه؛ هو: أن المعنى لم ترك العيون، ولو رأتك لكانت واصفة لك؛ لأن كل من رأى شيئا وصفه لا محالة، وأنت قبل الواصفين وجودا فلا جرم وجب الحكم باستحالة كونك مرئيا، وقوله: (لم ترك العيون) مع ما قبله من أنواع البديع يسمى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وله قدم راسخة في علم البيان، فمن الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى: {مالك يوم الدين، إياك نعبد [وإياك نستعين](1)}[الفاتحة:4-5] ومن الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم}[يونس:22] ومن الغيبة إلىالتكلم، كقوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح نشرا(2)}[الأعراف:57] ثم قال: {سقناه إلى بلد ميت}[فاطر:9] وهو من أساليب الافتنان في الكلام؛ لأنه إذا نقله من أسلوب إلى أسلوب آخر كان ذلك أنشط للسامع، وأوفر في الإصغاء من جريه على أسلوب واحد.

(لم تخلق الخلق لوحشة): فيكون وجودهم للأنس بهم لك.

(ولا استعملتهم لمنفعة(3)): لك فيكون فقدهم إزالة لتلك المضرة، وإعداما لها.

(ولا يسبقك من طلبت): بالهرب، فيكون ناجيا منك، وممتنعاعليك.

(ولا يفلتك من أخذت): يذهب عنك من انتقمت منه بالعقوبة وأخذته بها، كما قال تعالى: {فأخذتهم فكيف كان عقاب}[غافر:5].

(ولا ينقص سلطانك من عصاك): لأن إمهاله كان بغرض آخر غيرالعجز، فلهذا لم يكن تركه عجزا ونقصا.

(ولا يزيد في ملكك من أطاعك): لأن الزيادة إنما تعقل في حق من يتكثر بالزيادة، أو يلحقه بها نفع، والله تعالى منزه عن ذلك كله.

Страница 660