353

(سبق في العلو فلا شيء أعلى منه): ليس الغرض من العلو هو الفوقية فإن ذلك مستحيل على الله، لما فيه من التشبيه والكون في الجهة، وله تأويلان(1):

أحدهما: أن يكون مراده أنه متقدم في الاستظهار والقهر والاستيلاء، فلا شيء أقهر منه ولا أقدر.

وثانيهما: أن يكون مراده أنه سبق(2) في الانكشاف والظهور بالأدلة والبراهين، فلا شيء أظهر من وجوده وثبوته.

(وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه): يعني أنه قرب بالرحمة واللطف بالخلق، فلا شيء يساويه في ذلك، أو قرب في نفوذ الأمر وسرعته، فلا أمر يساويه في ذلك ويماثله.

(فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه): أراد أنه وإن بعد بتعاليه عن القرب والإدراك، فإن ذلك لا يحجبه عن الإحاطة بأحوالهم والتدبير لهم.

(ولا قربه ساواهم في المكان به): ثم إن قربه منهم بالرحمة والأمر لم يقتض أن يكون مساويا أي لهم(3) في [جهته](4) الأمكنة كالقرب في حقنا؛ فإن من كان قريبا من غيره (5) اقتضى أن يكون مساويا له في جهته ليدنو منه.

(لم يطلع العقول على تحديد صفته): أراد أن العقول وإن دلت على كونه قادرا وعالما وحيا وسائر صفاته؛ فإنها قاصرة عن الاطلاع على كنه حقيقة القادرية والعالمية، وغيرهما من الصفات؛ لأن حقيقة الذات إذا كان(6) غير معلوم (7) للبشر(8)، فهكذا حالة الصفة أيضا خلافا للمعتزلة وأكثر المتكلمين، وقد رمزنا إلى ذلك في كتبنا العقلية، وذكرنا الحق فيه.

Страница 358