هنالك رأيتني وحيدًا، ورأيت القطار يجدّ لينأى بي عن أهلي وبلدي" (١).
* * *
كان القطار يسير من دمشق إلى حيفا النهار بطوله، فإذا وصل حيفا مساء بات المسافر فيها، حتى يصبح فيركب قطار فلسطين الذي يخرج في الثامنة صباحًا فيمشي إلى حدود القناة، وهنالك ينزل منه المسافرون فيركبون «معدّية» تنقلهم إلى الضفة الأخرى منها، فيجدون قطار مصر الذي يصل القاهرة الساعة العاشرة والنصف ليلًا.
خلفت ورائي عالَمي الذي أعرفه كله وأقبلت على عالَم كله جديد، وكنت موزَّع اللبّ بين حزن الفراق، وحماية الأخت، والتطلّع إلى ما أنا مقبل عليه.
وأنا لا أحب السفر إلاّ في القطار، فإنك تستطيع أن تقوم فيه وتقعد، وإذا نعست قدرت أن تنام، وإذا جعت وكان معك مال قصدت المطعم. وأنظف المطاعم عادة وأغلاها مطاعمُ القطارات، تأكل والدنيا تمرّ بك، تمشي أمامك مشي الجند أمام القائد الذي وقف يعرضها (أي يستعرضها)، تبدأ غداءك أو عشاءك في بلد وتنتهي منه في بلد، وإذا وقف القطار في محطة استطعت أن تخرج فتمشي فيها.
(١) هذه قطعة من مقالة لي في «الرسالة» سنة ١٩٣٧.
قلت: والمقالة منشورة في كتاب «من حديث النفس» وعنوانها: «ذكريات» (مجاهد).