وأما الشيخ أبو نادر الخازن فخلى سبيله، ثم أرسل الأمير وأبناؤه الثلاثة إلى إسلامبول، ثم إن خليل باشا أحد كبار رجال الدولة لما عاد من حلب إلى إسلامبول أخذ معه الأمير حسينا أحد أبناء الأمير فخر الدين، وعاد الكجك فأرسل وقتل عدة من الأمراء بحاصبيا وراشيا، وبعث يأمر الأمراء بني طرباي أن يسلموا الأمير ملحما ابن الأمير يونس الذي كان قد لجأ إليهم فسلموه، وبينما هو في الطريق انتهز الفرصة وفر ممن كانوا يقتادونه إلى الكجك، وعاد فتولى الولاية وعزز شأنه فيها، وجرت له مواقع مع أمراء من اليمنيين كان النصر إلى جانبه في غالبها غير أن ذلك كان باعثا على أن الكجك شكا للسلطان أن ما أجراه الأمير ملحم إنما كان بدسيسة الأمير فخر الدين؛ فغضب السلطان وأمر بقتل الأمير فخر الدين وأبنائه، إلا الأمير حسينا منهم، فإنه بقي حيا وترقى في خدمة الدولة إلى أن صار قبوجي باشا، وكان عمر الأمير فخر الدين اثنتين وخمسين سنة، وأما الأمير ملحم فتوفي مريضا في سنة 1658 ودفن في مدافن المعنيين بصيدا وله الأمير أحمد والأمير قرقماس، وهذان الأميران لم يستقم أمرهما في الولاية؛ لأن أحمد باشا الكبرلي أراد الفتك بهما، فبقيا مدة متغلغلين في الأنحاء الشمالية من الجبل مع بعض الأمراء الشهابيين فرارا من وجه الكبرلي، وولى الكبرلي في تلك المدة الشيخ سرحال العماد شيخ الباروك جبل الشوف، والأمير محمدا والأمير منصورا - ابني الأمير علي اليمني - الغرب والجرد والمتن، ومحمد آغا كسروان، وعلي باشا الدفتردار صيدا وجعله من وزرائه. ولما كانت سنة 1662 عزل علي باشا من صيدا وتولى مكانه محمد باشا؛ فجزع الأمير ابن قرقماس وأحمد بأن كتب لهما ميثاق أمان ثم غدر بهما عندما برزا إلى مدبره بالقرب من قرية مزبود من إقليم الخروب، فقتل الأمير قرقماس، وفر الأمير أحمد وبه جرح بليغ ورجع فاختبأ سنتين، فدفع محمد باشا زمام الولاية إلى الأمير محمد علي اليمني والشيخ أبي علوان من قيسية الباروك. ولما عزل محمد باشا ظهر الأمير أحمد، وانضم إليه أبناء الحزب القيسيين؛ فعظم شأنه وحارب اليمنية وكسرهم واستبد بالولاية، ثم وشي فيه إلى الدولة فبعثت عليه بعثا للفتك به؛ ففر الأمير واختبأ عند الأمير نجم الشهابي، ثم عاد إلى الولاية واسترضيت الدولة عنه فاستقام له الأمر كما كان، ولبث واليا حتى توفي في الخامس عشر من أيلول سنة 1697، وكان قد مات ابن له صغير من قبله؛ فانقطعت بوفاة الأمير السلالة المعنية. (9) الأمراء بنو العساف التركمان
هؤلاء الأمراء من التركمان من بقايا غزاة سالفين كانوا في أيام الملك محمد الناصر بالكورة من ديار لبنان، فأمرهم هذا الملك في سنة 1307 أن ينزلوا الساحل من حد أنطلياس إلى مغارة الأسد؛ ليقوا البلاد من سطو الإفرنج عليها من تلك الأنحاء، كما كان التنوخيون المعاصرون لهم عاملين على وقايتها من سطو هؤلاء من الأنحاء الجنوبية، وكانت مواطن التركمانيين الأزواق: زوق العامرية، وزوق الخراب، وزوق مصبح، وزوق ميكائيل. ولأمرائهم آثار عمران في عين طورا وعين شقيف. وفي عهد الأمير يلبغا الأتابكي - وذلك سنة 1345 مسيحية - أتى التركمانيون بيروت بأمر الأتابكي واستوطنوها تعزيزا لأسباب المحافظة على هذا الثغر من غزوات الإفرنج، ولما كانت سنة 1515 وقعت واقعة بين ساكن الجنان السلطان سليم العثماني والملك قانصوه الغوري بمرج دابق عند حلب، فتحيز عساف من التركمان إلى السلطان سليم، فكان جزاؤه منه أن أقره على كسروان وبلاد جبيل، وإليه انتسب الأمراء العسافيون من سلالته، فجعل هذا الأمير مصيفه بعين شقيف ومشتاه بعين طورا وجعل أصحابه بالأزواق، ثم انتقل إلى غزير واتخذها موطنا له أقام به حتى مات سنة 1518 ودفن هناك، وله: الأمير حسن، والأمير حسين، والأمير قبقاي. فخلفه في الإمارة الأمير حسن، فوقعت الفتنة بين الإخوة بسبب الإمارة، وأدت بهم إلى أن أحدهم - الأمير قبقاي - قتل أخويه واستحيى ابن أحدهما الأمير منصورا ابن الأمير حسن، وتولى الإمارة على كسروان، وسجن ابني حبيش - يوسف وأخاه - ثم نفاهما إلى مصر؛ وذلك لأنهما كانا خادمين عند أخويه بعد أن صادرهما بمالهما، ولم يطل به عهد الإمارة، فمات بغزير سنة 1523 بلا عقب، وتولى الإمارة بعده الأمير منصور، فاسترد الحبيشيين لخدمته ومهد أمر الولاية، فاتسع له نطاقها حتى بلغت من نهر الكلب إلى حماة، وكان ينصب عليها من العمال من يشاء ويقتل من يناوئه في أمرها؛ ففي سنة 1579 وشي فيه إلى الدولة العثمانية، فنصب السلطان يومئذ وزيرا بطرابلس خضدا من شوكة الأمير وإذلالا له؛ فكان الوزير المنصوب يوسف باشا سيفا الكردي. وفي سنة 1580، توفي الأمير منصور وخلفه ابنه الأمير محمد، وهو آخر أمير من بني العساف لبثت إمارته مدة عشر سنين؛ إذ قتل في سنة 1590 وهو سائر إلى عكار لمقاتلة يوسف باشا سيفا، قتله الكامنون من رجال الباشا بين البترون والمسيلحة؛ فانقرضت بقتله سلالة العسافيين، وانتقلت الإمارة إلى بني سيفا الأكراد. (10) بنو سيفا الأكراد
هؤلاء الأمراء استقرت لهم الإمارة في مبدأ الأمر على عكار بمساعدة الأمير منصور العساف وتعزيز الأمير قرقماس المعني والي الشوف لمساعدة الأمير لهم، وذلك بين سنة 1528 وسنة 1579، وفي هذه السنة الأخيرة رقي أحدهم الأمير يوسف إلى رتبة وزير، وجعل واليا على طرابلس، كما تقدم ذكر هذا في الفصل السابق، ولما كانت سنة 1584 أصدر السلطان مراد أمرا بإلقاء القبض على يوسف باشا سيفا بسبب ما جرى من نهب أموال الخزانة الأميرية عند جون عكار، وكان المسير لإنقاذ ذلك الأمر جعفر باشا؛ فجمع العساكر وزحف بها إلى عكار، ففر يوسف باشا من وجه الزاحفين فأحرق جعفر باشا بلاد عكار، ولما كانت سنة 1590 حدث ما تقدم ذكره من قتل الكامنين من رجال يوسف باشا للأمير محمد، وفي سنة 1593 تزوج يوسف باشا زوج الأمير محمد الذي قتله واستبد بجميع أمواله وقتل أبناء حبيش سليمان ومنصورا ومهنا، وانتقلت ولاية العسافيين إليه، وفي سنة 1595 وقعت بينه وبين الأمير فخر الدين قرقماس المعني عند نهر الكلب موقعة بسبب ولاية كسروان فانهزم الباشا شر هزيمة، وفي سنة 1602 جرى بينه وبين الأمراء بني الحرفوش وأنصارهم قتال أدى إلى محاصرة الباشا لقلعة بعلبك التي تحصن فيها أعداؤه، فتمكن من القلعة بعد حصره لها خمسين يوما، ثم جرى لهذا الباشا حروب شتى مع علي باشا جانبلاط والي حلب وكذلك مع الأمير فخر الدين المعني، وقد ضايقه الأمير كثيرا، كما بينا ذلك في تاريخ المعنيين. ولما كانت سنة 1615 نزع جركس باشا والي دمشق ولاية كسروان وبيروت من يد يوسف باشا وأمره ألا يظاهر أحدا على الأمير يونس المعني، فلم يمتثل الأمر بل تصدى لقتال المعنيين مستنجدا بالأمير شلهوب الحرفوش وأمراء رأس نحاش الأكراد، فانهزم من الناعمة إلى الشويفات وقتل من رجاله عدد كبير، ثم استولى الأمير يونس على بلاد كسروان وفر الأمير حسين بن يوسف باشا بعيال أخيه حسن باشا من غزير إلى عكار، ثم قتل حسن باشا في سنة 1616 قتله قره قوش والي حلب بالاحتيال عليه، وبالجملة فإن يوسف باشا كانت مدة ولايته في اضطراب شديد قضاها في الحروب والقتال ولا سيما مع الأمير فخر الدين المعني بعد عودته من بلاد الإفرنج، وكان الأمير منصورا عليه في غالب الوقعات ويده فوق يده في كل شيء، وما رأى الباشا سبيلا إلى استمالة الأمير إلا أن يزوج بعضا من بنيه من بنات الأمير فكان ذلك، ولكن ما لبثت الحال في قلق بينهما حتى توفي الباشا سنة 1624، وهو أول باشا على طرابلس، توفي وله سبعة أبناء: حسين، وحسن، وعمر، وقاسم، ومحمود، وعساف. وكانت ولايته خمسا وأربعين سنة، وتولى الإمارة بعده ابنه الأمير قاسم إلا أن هذا الأمير لم يكن له شأن يذكر، ولما قدم الكجك أحمد لمحاربة الأمير فخر الدين المعني انضم إليه الأمراء بنو سيفا على الأمير، فولاهم الكجك على إيالة طرابلس، ثم انتقلت الولاية على طرابلس من أحدهم الأمير قاسم إلى الأمير علي ابن الأمير محمد ابن أخت الأمير قاسم، وذلك باختيار الوجوه والأعيان، فحدثت فتنة بين الأمير علي والأمراء ذوي قرابته ولا سيما الأمير عساف.
وفي سنة 1635 تولى مصطفى باشا نيشانجبي الأمر على إيالة طرابلس فجعل على بلاد جبيل والبترون والضنية الأمير عليا، وعهد بولاية عكار والحصن وصافيتا إلى ذوي قرابة الأمير علي، وإذ اتفق أن سار مصطفى باشا لمحاربة شاه العجم، وعهد بالمحافظة على أمر الضبط والربط في البلاد إلى الأمير عساف مدة غيابه أوغر ذلك صدر الأمير علي، فحدث بينه وبين ابن عمه الأمير عساف محاربة ظفر بالنصر فيها الأمير عساف، ثم جرت بينهما مصالحة، ولكن لم يطل أمرها؛ إذ عادا إلى المقاتلة، وكان الغالب الأمير عساف، ولما تولى شاهين باشا الأمر على طرابلس من بعد أحمد باشا الذي خلف مصطفى باشا كاتاجاج وشي إليه في الأمير عساف، فوادعه حتى تمكن منه، فأمر به فخنق معلقا على باب قلعة الحصن، وتعقب أتباعه فقتلهم، وما نجا منهم إلا عدد يسير، وما زال بهم حتى بدد شملهم ومحا ذكرهم. (11) شهاب
لقب لبيت من البيوتات الكريمة في جبل لبنان، يتصل نسبهم الشريف بنسب الرسول محمد
صلى الله عليه وسلم
من بني قريش، وذلك أخذا عن سجل وجد محفوظا في صيدا من الثغور السورية، وقد أثبت فيه من هذا النسب الشريف من مالك الملقب بشهاب من سلالة مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهد إلى الأمير منصور ملحم البقري بشهادة أحمد البزري مفتي صيدا، وشهادة السيد علي بن السيد حسين جلال الدين نقيب السادة الأشراف بالمدينة المذكورة، وشهادة محمد سعيد البزري نائب الشرع الشريف بها.
أما اللقب شهاب، فيقال إنه لقب به مالك من الشهباء؛ وهي قرية استوطنها من قرى حوران بأمر من عمر بن الخطاب سنة 636ب.م، كما سيتبين ذلك. ويقال أيضا إنه لقب بذلك تبركا بأحد أجداده؛ لأن أمه خرجت من نسل شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي من رهط آمنة أم الرسول
صلى الله عليه وسلم
وهذا أقرب للصحة فيما يظن؛ لأنه لو كان مأخوذا من الشهباء لكان ذلك من باب النسبة، ومعلوم أن كلمة شهاب ليست في شيء منها.
Неизвестная страница