Османская держава до и после конституции
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
Жанры
وقس على ذلك جميع شئون المدن الداخلية، مما يدخل في اختصاص البلديات من إنارة وتنظيف وتوسيع شوارع.
سألني أحد أصدقائي ممن لم يروا الأستانة أن أكتب له شيئا في وصفها، وكان ذلك في زمن الاستبداد يوم كانت جميع الرسائل تحت رحمة الجواسيس وكلمة نقد جريمة لا تغتفر، فقلت - تملصا من حراجة الموقف بعد وصف جمال ذلك الموقع الفريد: «وكأن الإنسان أشفق على ذلك الجمال الرائع أن تعبث به يده البشرية فغادره على فطرة خالقه.»
وأثناء معرض شيكاغو شخص إليها بعض تجار الأستانة فوصلوها بيوم مطير وبعض أطراف البلدة إذ ذاك غير مستتم التنظيم فكتبت إحدى الجرائد: «وصلت اليوم زمرة من زوار المعرض قادمة من القسطنطينية فأهلا بالضيوف، وإنه ليسرنا جدا أنهم وصلوا بمثل هذا اليوم والأوحال ملء الأزقة، فلا تأخذهم الوحشة لفراق عاصمتهم إذ يرون من قذارة شوارعنا ما يستأنسون به لذكرى وطنهم العزيز.»
وإن من قرأ نظام البلديات وجال في أنحاء السلطنة تتولاه الدهشة لما يرى من التناقض بين القول والعمل، بل يزداد دهشة مما يراه من فضل المدن الصغيرة على الكبيرة بإنفاذ مضمون ذلك النظام، فلو جلت في شوارع مدللي البلد الصغير، ثم طفت شوارع الأستانة تلك العاصمة العظمى، هالك ما رأيت من فضل الاعتناء بالصغير على الكبير، والسبب في ذلك أن ما يجبى من المال لحساب البلديات في المدن الصغيرة لا يذهب منه هدرا إلا ما يختلسه المأمورون. وأما في المدن الكبيرة فعوامل تبديد المال محيطة بالبلديات من كل جانب؛ فهناك الاختلاس العادي، وهناك الأوامر القاضية بصرف تلك الأموال بوجهات غير مشروعة بحجج شتى، أو تقديمها للخزينة قرضا لا يخطر في البال رده. ولا ننس أيضا أن قسما عظيما من أموال البلديات يذهب بإرادات سنية معاشات للمنفيين من الأحرار أو المتزلفين إلى ذوي الكلمة العالية من المقربين، فلا يبقى في خزانة البلدية غير ثمالة لا تشفي غليلا.
فلا تعجب - بعد ما تقدم بيانه - أن تكون أكثر الشوارع قذرة، والأزقة ضيقة معوجة، يصعب المرور فيها نهارا لكثرة الازدحام وليلا لاشتداد الظلام، ولو لم تكن يد العناية قد جعلت أكثر تلك المدائن في مواقع نقية الهواء لكانت الأوبئة تجرف السكان جرفا.
أما سائر الأعمال النافعة الخارجة عن اختصاص الحكومة والبلديات والتي لا تقوم إلا بتألف الجماعات لإنفاق المال فحالتها أشر وأدهى؛ إذ لا يكاد يوجد أثر للشركات الوطنية، وحيثما وجدت طريق حديد أو شركة لتوزيع الماء أو لإنارة بلدة وما أشبه فإنما هي بيد الشركات الأجنبية، ما خلا القليل من مثل الشركة الخيرية والشركة المخصوصة التي تنقل الركاب بين الأستانة وجزر الأمراء وضفاف البوسفور أو شركة ترامواي الكاظم التي أنشأها مدحت باشا ببغداد، ولكن منافع هذه الشركات منحصرة بيد أفراد قلائل، وليست أسهمها مما تتداوله الأيدي بسهولة تداول ما لسواها من سائر الأسهم لأسباب ليس هنا موضع بسطها، فليست إذا بالمثال الذي يقاس عليه.
ومن المضحكات أنك لو قلت هذا القول في زمن الاستبداد فأقل ما كان يصيبك من أسباب المهانة أن تكذب فيه، فيقال لك إن جميع الشركات في البلاد العثمانية عثمانية بمقتضى القانون، فيقال البنك العثماني وشركة الرزي (احتكار الدخان) العثمانية، فهل كان يتاح لك حينئذ أن تقول إن نعت تلك الشركات بالعثمانية إنما هو حلية لا تفيد كونها وطنية، وكيف تكون عثمانية بالفعل ومجالس إدارتها في باريس ولندن وفينا وبرلين.
وإن بعض هذه الشركات، كالبنك العثماني، وشركات طرق الحديد، وشركات الماء؛ قد أفاد فائدة يحق لها أن تقتضي تسطيرها في التاريخ، ولكن ذلك ليس بالمانع لنا من التصريح أن الشركات الوطنية أجزل نفعا - لو أمكن تأليفها وأحسنت إدارتها ولم تقيد حريتها.
ولقد يقول أنصار الاستبداد أن المانع من إنشاء الشركات الوطنية أسباب ثلاثة لا شأن للحكومة فيها. أولها: قلة المال. وثانيها: قلة رغبة الأهالي في الإقبال عليها. وثالثها: تعذر وجود المديرين الصالحين للقيام بالعمل. وهو كلام لا يخلو من الصحة في كل وجوهه، ولكنه لولا وجود سبب رابع هو: قلة الثقة بالحكومة لتيسر تلافي هذه الموانع الثلاثة شيئا فشيئا.
فأما المال فإننا لا نزعم أنه متوفر لدينا توفره في أوروبا، ولكننا مع ذلك لو حسبنا أموال العثمانيين الموزعة في الشركات الأجنبية داخل البلاد وخارجها لكان لنا من ذلك رأس مال يعد بالملايين. وهو إن لم يكن كافيا للقيام بجميع الأعمال اللازمة فلا ريب أن بعضه يكفي للقيام بجزء عظيم منها. وأما قلة رغبة الأهالي في الإقبال على أمر لم يألفوه، فمما تقدم يتضح أن ذلك زعم فاسد وإليك مثالا يثبت فساده بأجلى بيان.
Неизвестная страница