الإجماع في الشريعة الإسلامية
الإجماع في الشريعة الإسلامية
Издатель
الجامعة الإسلامية
Издание
السنة العاشرة،العدد الأول
Год публикации
جمادى الأخرة ١٣٩٧هـ مايو - يونية ١٩٧٧ م
Регионы
Ирак
مدخل
...
الإجماع في الشريعة الإسلامية
لفضيلة الدكتور رشدي عليان الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية
الإجماع من البحوث النافعة والهامة في علم أصول الفقه، استأثر بعناية خاصة من أعلام الأمة ومفكريها لأنه الدليل الذي يلي النصوص في القوة والاحتجاج. فإذا ما عرضت للمجتهد حادثة، وأراد معرفة رأي الشريعة فيها عرضها أولا على كتاب الله - تعالى - عمدة الشريعة وكليّها، فإذا لم يجد بغيته مال إلى سنة رسول الله - ﵊ - باعتبارها المصدر الثاني للشريعة، فإن أعياه البحث ولم يجد ضالته فيها نظر هل اتفق السابقون على حكم لها؟ فإن وجد عمل به وأفتى بموجبه وهو مطمئن البال، فالأمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة كما أخبر بذلك الصادق الأمين - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وإذا لم يسعفه الإجماع لجأ إلى أدلة أخرى معروفة في أصول الفقه كالقياس والاستصحاب والمصلحة..
حدث ميمون بن مهران فقال: "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله فإن وجد قضى به، وإلا نظر في سنة رسول الله فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس وجمع رؤساءهم واستشارهم، فإن اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ وإلا جمع الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.
وبعد فلمّا كان الإجماع يتكوّن من ركنين:
(١) مجمع عليه.
(٢) ومجمعين وهم أهل الإجماع فقد جاءت هذه الدراسة في مبحثين: - الأول في المجمع عليه. وفحواه تعريف الإجماع، سنده، حجيته، أنواعه، مخالفة حكمه.
1 / 63
والثاني في المجمعين «أهل الإجماع» ١ الصحابة، الخلفاء الأربعة، أهل البيت، أهل المدينة، أهل الكوفة والبصرة، جماعة المجتهدين في أي عصره.
المبحث الأول: في المجمع عليه
تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح
...
المبحث الأول: في المجمع عليه
١_ تعريف الإجماع في اللغة وفي اصطلاح الأصوليين.
أ_ الإجماع في اللغة: _
الإجماع من الألفاظ المشتركة في وضع اللغة بين معنيين: _
الأول: العزم. يقال: «أجمع فلان على كذا» إذا عزم عليه، وجاء في الحديث "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل"٢ أي لم يعزم الصيام من الليل وورد في الكتاب الكريم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ٣ أي اعزموا. والإجماع بهذا المعنى يصدر عن الواحد كما في المثال الأول، وكما جاء في الحديث، ويصدر عن الجمع كما في الآية الكريمة.
الثاني: الاتفاق، يقال: «أجمع القوم على كذا» إذا اتفقوا عليه.
وهو بهذا المعنى لا يصدر إلا عن الجمع، ولا يتصور من الواحد. وقيل إن الإجماع في وضع اللغة هو الاتفاق والعزم راجع إليه، لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه٤.
وقيل إن الإجماع حقيقة في معنى الاتفاق لتبادره إلى الذهن مجاز في معنى العزم لصحة سلب الإجماع عنه٥.
ب_ الإجماع في الاصطلاح:
عرف كثير من الأصوليين الإجماع بأنه: _
"اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر بعد وفاة النبي - ﷺ - على أمر ديني ".
شرح التعريف وبيان ما يفهم منه من أمور.
١_ الاتفاق لفظ مشترك بين القول والفعل والاعتقاد، فلو اتفقوا على قول من الأقوال يكون إجماعا،
١ سينشر المبحث الثاني من هذه الدراسة في العدد التالي إن شاء الله.
٢ روي الحديث بهذا اللفظ تارة وبلفظ لا صيام لمن لم يبيت الصوم.. الحديث. انظر: باب الصوم من سنن النسائي والترمذي والدارمي وأبي داود والبيهقي والدارقطني وابن ماجه ومسند أحمد، وموطأ مالك.
٣ يونس/٧١.
٤ الشوكاني_ إرشاد الفحول ص٧١.
٥ الآمدي/ الإحكام ج١ ص١٠١ والفتوحي/ شرح الكوكب المنير ص٢٢٥.
1 / 64
وكذلك لو اتفقوا على فعل، كما إذا شرع أهل الاجتهاد جميعا في المزارعة أو الشركة، وكذلك لو اتفقوا على عقيدة كإجماعهم على نفي تعدد الآلهة وبطلان عقيدة التثليث.
٢_إن اتفاق المجتهدين هو المعتبر في الإجماع الذي هو دليل على الأحكام الشرعية، فلا عبرة - في هذا المجال - باتفاق غيرهم من المفكرين وعامة الناس ومن العلماء من يرى دخول عامة الناس في أهل الإجماع، وهو رأي باطل لأن أمثال هؤلاء لا يملكون دقة النظر في الأمور الشرعية.
٣_أن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين، فلو اتفق الأكثر على حكم شرعي وخالف الأقل فإنه لا يكون إجماعا وحجة عند جمهور العلماء١. ومن العلماء من يرى تحقق الإجماع باتفاق الأكثر٢ ومنهم من يرى أنه يكون حجة وليس بإجماع. وكلا الرأيين مرجوح، لأن الحق قد يكون في جانب الأقل، ولأن الإجماع لا يتحقق مع وجود مخالف لعدم تحقق الاتفاق، ولأن ذلك معارض بدلالة أحاديث عصمة الأمة ككل٣.
٤_ أن يكون المجتهدون من الأمة الإسلامية، فلا اعتداد باتفاق المجتهدين من الأمم السابقة، وذلك لقيام الأدلة على اختصاص أمة محمد بالعصمة من الخطأ عند اتفاقهم.
٥_ أن يكون الاتفاق في عصر واحد، إذ لا يتصور تحقق الإجماع أو العلم به في كل العصور.
٦_ أن يكون الاتفاق بعد وفاة النبي ﷺ إذ لا عبرة باتفاقهم في زمنه - ﵇ - في إثبات الأحكام الشرعية، إذ لو حصل الإجماع على أمر فلا يخلو إما أن يوافقهم النبي - ﷺ - وحينئذ فالحكم ثابت بالسنة لا بالإجماع، وإما أن يخالفهم وحينئذ يطرح الإجماع لمخالفته النص.
٧_ أن يكون ما اتفق عليه من الأمور الدينية سواء أكان شرعيا٤ اجتهاديا أم غير شرعي مما يدرك بالحس أو بالعقل لأن الأحكام الحسية قد تكون
١ الغزالي/ المستصفى ص١١٧.
٢ وهم محمد بن جرير وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط، راجع / ابن قدامة روضة الناضر ص٧١ والآمدي – الإحكام ج١ ص١٢١.
٣ سيأتي بيان ذلك.
٤ الحكم الشرعي هو الذي لا يدرك إلا من خطاب الشارع، وغير الشرعي مما يدرك بالحس أو بالعقل.
1 / 65
ظنية فالإجماع عليها يكسبها صفة القطعية، وكذلك بعض المدركات العقلية.
وقيّد بعض العلماء الأمر المتفق عليه بكونه شرعيا، ونفى حجية الإجماع في الأمور الدينية غير الشرعية مما يدرك بالحس أو بالعقل على اعتبار أن المدركات الحسية والعقلية تفيد اليقين فلا يكون الإجماع حجة فيها.
ورُدّ بما ذكرت من أن من المدركات الحسية والعقلية ما تفيد الظن فقط فيصير بالإجماع قطعيا، وأطلق بعض العلماء كابن الحاجب١ والجلال المحلى٢ الأمر ولم يقيدوه بالديني، وعليه يكون الإجماع حجة في كل الأمور دينية كانت أو عادية أو عقلية أو لغوية، وقالوا أن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لم تفرق بين الإجماع على أمر ديني أو دنيوي، فإذا ما اتفقوا على أي أمر من أمور التجارة أو الزراعة أو الحروب وغير ذلك، وجب أن يكون حجة.
ونوقش هذا الرأي بما حاصله: _
١_ أن تحقق الإجماع في غير الأمور الدينية وعدم تحققه سواء لأنه غير ملزم للمسلم فلا يأثم بمخالفته.
٢_ أن قول الرسول - ﷺ - لا يكون حجة في الأمور الدنيوية لقوله - ﵊ - في قصة تلقيح النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"٣ وكان - ﵇ - يرى الرأي في الحروب فيراجعه فيه أصحابه - كما في غزوة بدر - فيترك رأيه ويعمل برأيهم، فإذا كان قول الرسول في هذه الأمور ليس بحجة، فالإجماع فيها ليس بحجة من باب أولى لأن الإجماع في مرتبة أدنى من قول الرسول - ﷺ _٤.
وبهذا يتضح أرجحية الرأي الذي خص الإجماع بالأمور الدينية سواء أكانت شرعية أم غير شرعية، وعليه أكثر العلماء.
قال الغزالي: "أما تفهيم لفظ الإجماع فإنما نعني به اتفاق أمة محمد - عليه
١ انظر منتهى الأصول ص٣٧.
٢ انظر شرحه على متن جمع الجوامع ج٢ ص١٧٦.
٣ أخرجه البخاري في باب البيوع ومسلم في باب المساقاة.
٤ انظر محاضرات الشيخ محمد حسن فايد في كلية الشريعة والقانون «مطبوعة علي الرونيو» .أخرجه البخاري في باب البيوع ومسلم في باب المساقاة.
1 / 66
السلام - خاصة على أمر من الأمور الدينية"١.
وقال ابن قدامة: "ومعنى الإجماع في الشرع اتفاق علماء العصر من أمة محمد - ﷺ - على أمر من أمور الدين"٢.
١ المستصفى ج ص١١٠.
٢ روضة الناظر ص٦٧.
٢_ سند الإجماع:
هل الإجماع مصدر مستقل بذاته في إثبات الأحكام الشرعية في مقابل المصادر الثلاثة الأخرى، الكتاب والسنة والقياس؟ أم أنه لا ينعقد ولا يصير حجة إلا بتوسط أحد هذه المصادر؟.
ذهب بعض الأعلام إلى الأول وقالوا باستقلالية الإجماع وعدم حاجته إلى توسط دليل آخر يستند إليه٣.
ودليل هؤلاء:
١_ أن الإجماع في نفسه حجة ودليل في إثبات الأحكام فلو توقف على سند لكان هذا السند هو الحجة، وحينئذ لا يكون للإجماع فائدة.
٢_ لو توقف الإجماع على سند لما وقع بدونه، لكنه وقع فلا يكون السند شرطا في انعقاده، ومثلوا لذلك ببيع المعاطاة فإن العلماء اجمعوا على جوازه بلا دليل.
٣_ إن العقل لا يمنع من انعقاد الإجماع عن توفيق وذلك بأن ويوفق الله - تعالى - أهل الإجماع في الأمة لاختيار ما هو الصواب عنده.
وذهب الأكثرون من علماء الأمة إلى الثاني. أي أن الإجماع لا ينعقد إلا عن مستند، لأن حق إنشاء الأحكام الشرعية لله ولرسوله، وليس لأهل الإجماع وقالوا: إن عدم الدليل يستلزم الخطأ في الأحكام لأن الدليل هو الطريق الموصل إلى الصواب.
قال الشيخ الخضري: "لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند لأن الفتوى بدون المستند خطأ لكونه قولا في الدين بغير علم، والأمة معصومة عن الخطأ"٤.
وقال الشيخ أبو زهرة: "لا بد للإجماع من سند لأن أهل الإجماع لا ينشئون الأحكام"٥. وأجابوا عن أدلة البعض القائل بعدم حاجة الإجماع إلى سند ودليل بما يأتي.
١_ لا نسلم عدم فائدة الإجماع مع
٣ الآمدي/ الإحكام ج١ ص١٣٣ والشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٩.
٤ أصول الفقه ص٣١٠ وأمير بادشاه/ تيسير التحرير ج٣ ص٢٥٤.
٥ أصول الفقه ص١١٩.
1 / 67
الدليل. إذ الفائدة موجودة معه وهي سقوط البحث عن ذلك الدليل، والاكتفاء بالإجماع، وحرمة المخالفة الجائزة فيه قبل الإجماع.
٢_ لا نسلم أن العلماء اجمعوا على صحة بيع المعاطاة بدون دليل وكل ما في الأمر أنهم لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع إذ هو أقوى دلالة..
والذي أراه أن علماء الأمة إن اتفقوا على أمر من الأمور الدينية لا بد أن يكون حقا وصوابا لأن العادة تمنع اتفاقهم على شيء بدون دليل. وليس من الضروري لنا أن نعرف سند الإجماع عند المجمعين بل الواجب أن نأخذ بإجماعهم اعتمادا على ورعهم وعلمهم، لاعتقادنا بأنهم لا يجمعون إلا عن دليل.
قطعية السند
اختلف القائلون بلزوم السند للإجماع في قطعية السند وظنيته.
فقال أهل الظاهر: إن مستند الإجماع لا بد أن يكون قطعيا كنصوص الكتاب ومتواتر السنة، ولا يجوز أن يكون ظنيا كخبر الواحد والقياس، لأن الإجماع قطعي الدلالة فلا ينعقد إلا عن دليل قطعي إذ غير القطعي لا يفيد القطع.
وقال الأكثرون: إن مستند الإجماع يكون قطعيا، ويكون ظنيا كخبر الواحد والقياس. وقد وضح الشيخ الخضري في كتابه أصول الفقه والشيخ فايد في محاضراته في الإجماع وجهة نظر الأكثرين بما حاصله١.
١_ إن النصوص الدالة على حجية الإجماع نصوص عامة تفيد انعقاد الإجماع سواء أكان سنده قطعيا أم ظنيا، فاشتراط القطعية تخصيص للنصوص من غير دليل وذلك باطل.
٢_ وقع إجماع من المجتهدين مستندا إلى خبر الواحد كإجماعهم على حرمة بيع الطعام قبل قبضه لدلالة حديث ابن عمر - ﵄ - "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" ٢ وكذلك انعقد إجماعهم مستندا إلى القياس كإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه، وعلى إراقة السيرج ونحوه إذا ماتت فيه فأرة قياسا على السمن٣ وردوا على الظاهرية
١ راجع أصول الفقه ص٣١١ و٢٩ من بحث الشيخ فايد والإحكام للآمدي ج١ ص١٣٥.
٢ وردت عدة أحاديث من طرق مختلفة وبألفاظ متفاوتة في هذا المعنى فراجعها في باب البيوع من صحيح البخاري ومسلم ومسند أبي داود والترمذي والنسائي والدارمي وموطأ مالك ومسند أحمد.
٣ الفتوحي/ شرح الكوكب المنير ص٢٣٧.
1 / 68
القائلين بأن الإجماع قطعي فلا يكون إلا عن قطعي بأن قطعية الإجماع لم تثبت من جهة السند، وإلا لكان الإجماع لغوا لأن المثبت للحكم حينئذ هو الدليل القطعي وليس الإجماع.
قال الغزالي: "يجوز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس"١.
وقال ابن قدامة المقدسي: "يجوز أن ينعقد الإجماع عن اجتهاد وقياس ويكون حجة"٢.
والذي أراه أنّ الاتفاق إن وجد من علماء العصر فهو دليل وحجة سواء أكان هذا الاتفاق عن دليل قطعي أو ظني، لأن الحجة تنتقل من ذلك الدليل إلى الإجماع، فإن كان في الأصل قطعيا فالإجماع يفيد التأكيد والتعضيد لأنه يكون من قبيل تضافر الأدلة على الحكم الواحد.
ومما يدعم هذا الرأي قول جعفر الصادق - ﵀ _: "فإن المجمع عليه لا ريب فيه"٣ فقد نفى الريب عن الرأي المجمع عليه مطلقا ولم يقيده بما إذا كان مجمعا عليه بموجب سند قطعي أو ظني خاص أو عام.
١ المستصفى ج١ ص١٢٣.
٢ روضة الناظر ص٧٧.
٣ الصدر/الإجماع في التشريع الإسلامي ص٣٦.
٣_ حجية الإجماع
ذهب المتكلمون بأجمعهم والفقهاء بأسرهم على اختلاف مذاهبهم إلى أن الإجماع حجة، وحكى عن النظام وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر أنهم قالوا: الإجماع ليس بحجة. واختلف من قال إنه حجة، فمنهم من قال من جهة العقل وهم الشواذ، وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون العقل٤ وسأعرض أهم أدلة جمهور العلماء على حجيته ثم أذكر وجهة نظر القائلين بعدم حجيته.
أ_ أدلتهم من الكتاب الكريم.
استدل أئمة المذاهب وجمهور العلماء بآيات عدة من الكتاب الكريم، منها بل أهمها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٥.
وجه الاستدلال بهذه الآية:_
٤ الطوسي/ عدة الأصول ج٢ ص٦٤ والشوكاني، إرشاد الفحول ص٧٣.
٥ النساء/١١٤.
1 / 69
"إن الله - سبحانه - جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة١ بدون شرط اتفاق الجميع فمن باب أولى تكون متابعة ما اتفقوا عليه واجبة فثبت أن الإجماع حجة. وتعتبر هذه الآية أوضح الآيات وأقواها دلالة على حجية الإجماع، فقد روي أن الإمام الشافعي ﵀ - عندما سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة لزم داره ثلاثة أيام مفكرا وقرأ القرآن عدة مرات حتى وجد هذه الآية، ومع ذلك فقد قرر كثير من الأعلام أن الآية ليست نصا في الدلالة على حجية الإجماع٢. ومنها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ ٣.
الاستدلال بالآية: _
١_ أن الله - تعالى - قد وصف هذه الأمة بالخيرية، وهذا الوصف يقتضي أن ما اتفقوا عليه يكون حقا واجب الإتباع، لأنه إذا لم يكن حقا كان ضلالا ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٤.
قال الشوكاني في وجه الاستدلال بهذه الآية: "هذه الخيرية توجب الحقيقة لما اجمعوا عليه، وإلا كان ضلالا"٥.
٢_ إن الله - تعالى - وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا الوصف يقتضي أنهم إذا ما اتفقوا على الأمر بشيء كان معروفا يجب العمل به، وإذا ما نهوا عن شيء كان منكرا يجب الامتناع عنه، وهذا يقتضي أن يكون إجماعهم حجة٦.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ ٧.
ومعنى جعلناكم أمة وسطا: أي صيرناكم عدولا، لأن الوسط هو العدل في اللغة. قال الشاعر:
١ الشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٧.
٢ الغزالي/ المستصفى ج١ ص١١.
٣ آل عمران /١١٠.
٤ يونس/٣٢.
٥ الشوكاني/ إرشاد الفحول ص٧٧.
٦ الشيخ فايد/ محاضرات في الإجماع ص١٢.
٧ البقرة/١٤٢.
1 / 70
هم وسط يرضى الأنام بحمكهم ... إذ نزلت إحدى الليالي بمعظم
أي عدول. وجاء بهذا المعنى في الكتاب الكريم: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُم﴾ ١ أي أعدلهم.
وجه الاستدلال بهذه الآية: _
إن الله - تعالى - وصف هذه الأمة بالعدالة، وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم، وهذه الصفة تنافي الكذب والميل إلى جانب الباطل وهذا يقتضي أن يكون ما اتفقوا عليه عدلا وحقا يجب اتباعه والعمل به فيكون إجماعهم حجة.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.
وجه الاستدلال:_
"إن الله - تعالى - نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق، فكان منهيا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته"٣.
ثانيا - أدلة الجمهور من السنة الكريمة: _
استدل جمهور العلماء وأئمة المذاهب بجملة أحاديث مروية عن عدد من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - منها:
١_ "لا تجتمع أمتي على الخطأ".
٢_ "لا تجتمع أمتي على الضلالة".
٣_ "ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة".
٤_ "لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ".
٥_ "سألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه"٤.
٦_ "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
٧_ "يد الله مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ".
٨_ "من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
٩_ "من فارق الجماعة ومات فميتة الجاهلية"٥.
١ القلم/٢٨.
٢ آل عمران/ ١٠٣.
٣ الآمدي/ الإحكام ج١ ص١١١.
٤ الأخبار عن رسول الله ﵇ - بأن هذه الأمة لا تجتمع على الخطأ والضلالة كثيرة وقد رويت بألفاظ مختلفة وصيغ وأسانيد متعددة انظر: مسند أحمد ٥/١٤٥ وباب الفتن من سنن الترمذي وابن ماجه والدارقطني وباب التحريم من سنن النسائي.
٥ الأحاديث التي تحث على لزوم الجماعة وتذم الخروج عليها كثيرة وقد رويت بألفاظ مختلفة وصيغ متعددة انظر: باب الفتن والتحريم من سن الترمذي والنسائي والبخاري ومسند أحمد والدارمي وأبي داود.
1 / 71
وقد بين الغزالي وجه الاستدلال بهذه الأحاديث على أن الإجماع حجة قاطعة بعد أن فرغ من تقرير الدليل من آي الكتاب الحكيم.
فقال: "المسلك الثاني: وهو الأقوى التمسك بقوله - ﷺ - "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب. والكتاب متواتر وليس بنص، فتقرير الدليل أن نقول: تظافرت الرواية عن رسول الله - ﷺ - بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ واشتهر على لسان المرموقين والثقاة من الصحابة كعمر، وابن مسعود وأبي سعيد الخدري، وأنس بن ملك، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم ممن يطول ذكرهم" وبعد أن ذكر تلكم الأحاديث قال: "وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه"١. وقرر الشيخ الآمدي في كتابه الإحكام٢ أن أقرب الطرق لإثبات كون الإجماع حجة قاطعة هو تلك المرويات عن كبار الصحابة بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة. وقال ابن قدامة بعد ذكره لتلكم الأحاديث: "هذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين لم يدفعها أحد من السلف والخلف، وهي وإن لم تتواتر آحادها حصل لنا بمجموعها العلم الضروري أن النبي - ﷺ - عظم شأن هذه الأمة وبين عصمتها عن الخطأ"٣.
وقد ختم الشيخ الخضري بحثه في حجية الإجماع بعد أن فرغ من تقرير الدليل من الكتاب الكريم، فالسنة النبوية المشرفة بقوله:
"إن الأمة الإسلامية في عصور مختلفة قررت أن الإجماع حجة قاطعة حتى كان فقهاء كل عصر ينكرون أشد الإنكار على من خالف رأي مجتهدي السلف، والعادة تقضي أن مثل هذا الاتفاق لا يكون عن مجرد الظنون.
١ المستصفى ج١ ص١١١.
٢ ج١ ص١١٢.
٣ روضة الناظر ص٦٨.
1 / 72