وصمت الهمجي برهة وأصر على عناده، وقال: «ولكن «عطيلا» - برغم ذلك - مسرحية جميلة، إنها خير من تلك الصور المحسة.»
فوافقه المراقب قائلا: «بالطبع هي كذلك، ولكن ذلك هو الثمن الذي ندفعه في سبيل الاستقرار، ليس أمامك إلا أن تختار أحد أمرين: إما السعادة ، وإما ما تعود الناس أن يسموه الفن الرفيع، ولقد ضحينا بالفن الرفيع، وعندنا بدلا منه الصور المحسة وأرغن العطور.» - «ولكنهما لا يعنيان شيئا.» - «إنهما يعنيان نفسهما، ويعنيان للمستمعين كثيرا من الإحساسات المستحبة.» - «ولكن الذي يرويهما أبله.»
فضحك المراقب وقال: «إنك لم تتأدب لصديقك يا مستر واطسن، إن أحد مهندسي العواطف البارزين عندنا ...»
فقال هلمهلتز مكتئبا: «لكنه مصيب، إنك إن أردت تكتب، وليس لديك ما تقول ...» - «بالضبط، ولكن ذلك يقتضي أشد العبقريات نبوغا، إنك تصنع الطائرات الشعبية بأدنى حد من الصلب - والقطع الفنية من لا شيء البتة سوى مجرد الإحساس.»
فهز الهمجي رأسه وقال: «إن ذلك كله يبدو لي غاية في الشناعة.» - «إنه بالطبع يبدو لك كذلك؛ لأن السعادة الحقيقية تبدو قذرة، إذا قورنت بمضاعفة التعويض عن الشقاء، وليس الاستقرار بالطبع براقا كعدم الاستقرار، وليس في القناعة ما يبهر العين مثل النضال الشديد في وجه الكوارث، وليس فيها ما يخطف البصر مثل مكافحة الإغراء، أو الهزيمة القاضية أمام الشك والعاطفة، إن السعادة لا تكون عظيمة إطلاقا.»
فصمت الهمجي برهة ثم قال: «أظن ذلك، ولكن لا بد أن تبلغ من السوء مبلغ هؤلاء التوائم.» ثم فرك يده فوق عينيه كأنه يحاول أن يزيل ذكرى صورة تلك الصفوف الطويلة من الأقزام المتشابهة، عند المناضد المحتشدة، تلك القطعان من التوائم المتتابعة واحدا بعد الآخر، عند مدخل محطة برنتفورد للقطار الذي يسير على قضيب واحد، تلك الديدان البشرية المحتشدة حول فراش موت لندا، ذلك الوجه المتكرر إلى ما لا نهاية من المعتدين عليه، ونظر إلى يسراه المضمدة فارتعد وقال: «هذا مريع!» «لكنه نافع! إني ألاحظ أنك لا تحب مجموعات بوكانوفسكي التي عندنا، لكن أؤكد لك أنها الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر، هي الميزان الذي يعمل على استقرار طائرة الدولة الصاروخية ويسيرها في طريق مستقيم.» هذا ما أجاب به مصطفى مند بصوته العميق المذبذب الأجش، وهو يلوح بيده ممثلا بها الفضاء الذي تمخر عبابه الطائرة وقوة اندفاعها التي لا تقاوم، وكادت فصاحته أن تبلغ حدود الفصاحة الصناعية.
فقال الهمجي: «كنت أتعجب لماذا تبقون عليهم بعد ما رأيت أنكم تستطيعون الحصول على ما تشاءون من تلك القوارير، لماذا لا تصنعون الناس جميعا من طراز «أ» وهم في دور التكوين؟»
فضحك مصطفى مند وأجاب بقوله: «لأننا لا نحب أن تحز رقابنا، نحن نعتقد في السعادة والاستقرار، وإذا كان المجتمع بأسره من طراز «أ» فلا يسعه إلا أن يكون عديم الاستقرار شقيا، تصور مصنعا كل عماله من «أ» - أي من أفراد منفصلين لا صلة بين أحدهم والآخر، من سلالة طيبة، وقد تكيفوا على القدرة (في حدود معينة) على الاختيار وعلى الاضطلاع بالتبعات، تصور ذلك!»
وحاول الهمجي أن يتصور، لكنه لم يفلح كل الفلاح.
فقال المراقب: «إنه عبث باطل، إن الرجل إذا أفرغ من القارورة على أنه من «أ»، وإذا تكيف على طراز «أ» يجن إذا أرغم على أداء عمل «ه» من أنصاف المعتوهين، إما أن يجن أو يشرع في تحطيم الأدوات، إن (الألفات) يمكن أن ينسجموا مع المجتمع كل الانسجام - ولكن على شريطة أن يقوموا بعمل «أ»، ولا يقوم بتضحيات «ه» إلا رجل من طراز «ه»؛ وذلك لسبب معقول وهو أنه لا يرى أنها تضحيات، إنما هو العمل الذي يتطلب منه أيسر مجهود، لقد مد له تكييفه قضبانا يسير عليها، ولا يسعه إلا أن يتبعها، فقد قضي بذلك عليه، إنه حتى بعد التفريغ يبقى كأنه بداخل القارورة - قارورة لا تراها العين من مقتضيات الأطفال والأجنة»، وفكر المراقب قليلا ثم قال: «إن كلا منا بالطبع يسير في حياته، وكأنه بداخل قارورة، فإن كان من «أ» فإن القارورة تكون ضخمة نسبيا، فيعاني ألما ممضا إذا هو انحصر في حيز ضيق، إنك لا تستطيع أن تصب الشمبانيا الجديدة للطبقات العليا في قوارير الطبقات السفلى، وهذا جلي من الناحية النظرية، وقد ثبتت صحته كذلك من الناحية العملية الواقعية، وقد كانت نتيجة تجربة قبرص جد مقنعة.»
Неизвестная страница