На полях биографии

Таха Хусейн d. 1392 AH
172

На полях биографии

على هامش السيرة

Жанры

قال قائل: «وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلا عن عشرة من الإبل! فضلا عن مائة من الإبل؟!» قال «لسياس»: «والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال.

أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب، فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم من يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه، يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأرا وليصيبوا بهم مالا. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه، وأن يؤمر عليهم عاصم بن ثابت بن الأقلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر، وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل. ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون لا ينزلون على عهد كافر أبدا، ويقاتلون حتى يقتلوا. وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون؛ ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر، فيأبى أحدهم أن يتبغ الغادرين وإذا هو مقتول. ويبقى الآخران أسيرين، يحملان إلى مكة ويباعان فيها. فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قدر له من نعيم، ويتم لي ما قدر لي من شقاء.»

ثم يجهش «لسياس» بالبكاء ويغرق فيه حينا، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول: «لقد عرفت ورأيت من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضي علي ومقدور لي، لكان فيما عرفت قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنت أخاف لو عصيت صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام! وأيهما أهون علي وأيهما كان خليقا أن أوثره: الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دفعت إليه؟

لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت، وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس! ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه. ولكن ماذا سمعت وماذا تسمعون؛ هذه ظلة من الدبر

1

تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه. فيقول بعضهم لبعض دعوه حتى يأتي الليل، فستنصرف عنه هذه الدبر، وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل هموا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه. ولكن ما سمعت وماذا تسمعون! لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله، ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حدثت أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمس كافرا ولا يمسه كافر. ولقد حدثت أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعا إلى ربه وهو يقول: «اللهم إني قد حميت دينك أول النهار فاحم لحمى آخر النهار».» ولما بكى «لسياس» عند هذا الحديث لم يبك وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعا بكاء طويلا. حتى إذا تكففت

2

عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته. ولكنهم ألحوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث. فقال: «وبم تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنت أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم، فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها، وأود لو أني حييت في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنت واحدا من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأن أسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله، وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله، وإنما سفكت دم شهيد كريم.

ولقد سمعت أبا سفيان زعيم قريش يسأله: «أيحب أن يقوم محمد مقامه هذا وأن يكون هو آمنا بين أهله؟!» فيجيبه: «والله ما أحب أن تصيب محمدا شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي.» فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: «ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم.» ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فتطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان. يا للهول! لقد كنت أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة؛ فقد علمت الآن أني رقيق حقا. وقد علمت الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس. وقد علمت الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلا. لقد قتلت نفسي يوم آثرت الحياة وقبلت أن أكون سلعة في يد أولئك التجار.»

قال رجل من أصحابه: «وإن كان صديقك هذا شهيدا كريما - وما أراه إلا كذلك - فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة. ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعا للنفس وتمزيقا للقلب. لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماء إلى دمه، حراصا على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم، فلما أرادوا قتله أستأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة؛ فأذنوا له، فصلى ركعتين ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقلته ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون عن أخلاقه وخصاله بما كان خليقا أن يصرفهم عن قتله، لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون: إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وإن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم عن أمره بالأعاجيب. كانت تراه مغلولا يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه؛ ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت وأن امتلأ قلبها رعبا وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر لنفسه قبل أن يدركه الموت! وأقبلت عليه مسرعة، فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه كان يودع فيه طفلا له بعيدا. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب، وقال للمرأة: أشفقت على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا.

Неизвестная страница