فاض البشر على وجه المرأة، وازدهر كأنما عادت إلى الشباب، وهتفت فرحانة: بالله! أتقول الحق يا سيدي؟ أتلتقي نوركلدي وطومان بن أركماس بعد بضع وعشرين عاما من الفراق؟
ثم مالت على يد مسعود الشيخ تقبلها وتبللها بالدمع، وقد شدت عليها بأصابعها المرتعشة لا تريد أن تفلتها، ثم رفعت إليه عينيها ضارعة وهي تقول في صوت مختنق: ولكن أين ... أين ألقاه يا مسعود؟
قال الشيخ وقد أعداه ما بها حتى كاد يحتبس صوته: سيهديك إليه يا سيدتي تاجر المماليك جاني باي، فقد دفع جقمق إليه ولدك وصاحبته الجميلة الحسناء؛ ليبيعهما في أسواق دمشق أو القاهرة!
عبست المرأة بعد طلاقة وقالت: أفذلك كل ما تعرفه من أمر ولدي يا سيدي؟ وهل يستطيع أن يدلنا على مكانه في دمشق أو في القاهرة صديقك جاني باي؟ - نعم يا سيدتي، وسيكون جاني باي هنا بعد أسابيع، فهو لم يزل دائم التردد بين حلب والقاهرة في هذه الأيام، لأمر من أمر نائب حلب الأمير خاير بك ...
ثم عض على شفتيه وأردف قائلا مستدركا: سيدتي، أظن أميرنا خاير بك يعرف كذلك من أمر ولدك ما لا أعرف، فقد كان في تلك القافلة التي ذهب فيها مع جاني باي!
قالت نوركلدي ملهوفة: أمير حلب يعرف أين ولدي! فسأذهب إليه لأستنبئه إذا دللتني على الطريق إلى دار الإمارة أيها الرجل الكريم.
ولكن مسعودا لم يستمع إلى نوركلدي حين توجهت إليه بذلك الرجاء، فقد عاد ثانية إلى ذلك الماضي يسترجع ذكرياته وهو يفكر ...
لا لا، إن ذلك الفتى الصغير الذي فارق أمه منذ بضع وعشرين سنة، لم يذهب فيمن ذهب مع جاني باي تاجر المماليك، لقد صحبته تلك الفتاة وحدها، فذهب بها جاني باي فيمن ذهب في طريقه إلى دمشق والقاهرة، وبقي ذلك الفتى وصاحبه الرومي في حلب، لا يدري مسعود أين ذهب بهما جقمق ذات صباح ثم عاد بعد قليل فارغ اليد ... كيف غاب عنه قبل اليوم أن ذلك الشاب الذي أوشك طومان أن يذبحه بسكينه دفاعا عن صاحبته هو خاير بك نفسه - نائب حلب اليوم - وأنهما قد افترقا منذ ذلك اليوم البعيد، فسافر خاير وإخوته وأبوه في ركب جاني باي، وظل ذلك الفتى وصاحبه الرومي في حلب؟! - سيدتي! - سيدي! - لقد كنت أريد أن أهديك الطريق ... - نعم، وستصحبني إلى دار الأمير، وبمعونتك - أيها الرجل الكريم - سألقى ولدي، وسندفع إليك جزاء معروفك!
قال مسعود أسفا: يا ليت يا سيدتي! ولكني غير مستطيع ...
لقد خدعتني الذاكرة فنسيت أن ولدك لم يذهب فيمن ذهب مع جاني باي في طريقه إلى دمشق والقاهرة، ولكنه بقي هنا في حلب، فلا الأمير خاير بك، ولا جاني باي، يستطيعان أن يدلاك على مكانه اليوم، لقد افترقا منذ ذلك التاريخ البعيد وما أحسبهما قد التقيا بعدها قط ... وقد عاش ولدك بعدهما هنا في حلب، ولعله لم يغادرها، ولعلك أن تلتقي به يوما في سوق من أسواق هذه المدينة على غير ميعاد، إن كان مقدرا لكما أن تلتقيا ... فهل تعرفينه يا سيدتي حين ترينه؟ إنه اليوم شاب قد جاوز الثلاثين، وأحسبه قد استدارت لحيته وكان صبيا أمرد مصقول الخد ... فأين منه صبيك الذي تنشدينه وتعرفينه بصفته.
Неизвестная страница