تقوى البروفيسور بوجبته فشعر أنه سيد الموقف. أنهى احتساء قهوته ومشروبه الكحولي، وطرح فتات خبز عن صديرته، ثم نهض على مهل.
وقال: «سأتفاهم بالمنطق مع الآنسة كار.»
ثم غادر عربة المطعم بخطوات متمهلة وطفق يترنح في الممرات. أثناء مروره بمقصورة الآنستان فلود-بورتر، شعر بميل للتخلي عن مهمته والانضمام لهما لتجاذب أطراف الحديث. بدت السيدتان متماسكتين لا تشوبهما شائبة؛ إذ كانتا قد أنهيتا بالفعل تحضيرات الوصول إلى ترييستي، فكان يأمل أن يكشف متابعة الحديث معهما عن صديق مشترك.
لكنه كان عازما على أداء واجبه الذي فرضه على نفسه، فدخل المقصورة وجلس قبالة آيريس. من النظرة الأولى، علم أنها ظلت تشعل سيجارة وراء الأخرى، لكنها ما تلبث أن تلقي بها دون أن تدخنها تقريبا. لم يكن فعلها ذلك سوى أمارة على التوتر العصبي، لكنه مع ذلك نظر باشمئزاز إلى أعواد الثقاب المستهلكة التي تناثرت على الأرضية والمقاعد.
سألها بنبرة من يخاطب طفلا مشاكسا: «هلا قبلت مني نصيحة ودية؟»
أجابته آيريس بتمرد: «كلا. أريد أن أسمع الحقيقة من باب التغيير.» «الحقيقة ربما تكون صادمة قليلا بالنسبة لك، لكنك طلبت سماعها؛ لذا سأخبرك بها. أخبرني الطبيب للتو أنه نتيجة لضربة الشمس التي تعرضت لها، فإن خللا بسيطا ومؤقتا أصاب عقلك.»
كان البروفيسور حقا يعتقد أنه يتعامل مع فتاة عصابية تختلق الأكاذيب بداعي حبها للإثارة؛ لذا راقب رد فعلها بثقة مشوبة بالرضا عن النفس. عندما رأى الهلع في عينيها شعر أن تجربته تلك كانت مبررة.
سألت بصوت هامس: «أتعني أني جننت؟» «كلا، ليس ثمة ما يستدعي الخوف، لكنه قلق على سلامتك لأنك تسافرين وحدك، وربما يضطر لأن يتخذ خطوات لضمان سلامتك، إلا إن استطعت أن تظلي هادئة تماما.»
سألته آيريس: «أي خطوات؟ أتعني دار الرعاية تلك؟ سأقاوم ذلك. لا يستطيع أحد أن يجبرني على أن أفعل أي شيء يخالف إرادتي.» «في ظل تلك الظروف، سيكون اللجوء للعنف خيارا غير حكيم على الإطلاق؛ إذ إنه لن يفيد إلا في تأكيد مخاوف الطبيب، لكني أريد أن أوضح لك الوضع. أصغي إلي.»
لوح البروفيسور بسبابته مهددا وتحدث بنبرة لها وقع في النفس. «ما عليك سوى أن تظلي هادئة وسيصبح كل شيء على ما يرام. لن يتدخل أحد في شئونك بأي طريقة إلا إن ذكرتهم بوجودك. دون أي مواربة، لقد جعلت من نفسك مصدرا للإزعاج العام، ويجب أن يتوقف ذلك.»
Неизвестная страница