Без Границ
بلا قيود: تقنيات حررت البشر ودفعتهم لحافة الهاوية
Жанры
كان المحرك البخاري محركا تردديا دقيقا آليا، حيث كان الوقود يحرق خارج المكبس والأسطوانة، وذلك بحرق الأخشاب أو الفحم الحجري أو فحم الكوك لتسخين المياه في غلاية وتحويلها إلى بخار. وبمجرد أن أدخل المخترعون الأوروبيون تحسينات على المحرك البخاري بدءوا يطرحون فكرة حرق الوقود داخل المحرك. وسرعان ما أتم مهندسون من دول عديدة تصميمات لفكرة محرك الاحتراق الداخلي الجديدة تماما. كانت معظم هذه المحركات تعمل بإشعال كمية صغيرة من الوقود داخل الأسطوانة مباشرة، وكان الهدف أن تؤدي القوة الناتجة عن الغازات المتمددة التي يسخنها احتراق الوقود إلى دفع المكبس إلى الأمام وتدوير الذراع على حدافة.
في زمن مبكر عام 1807م، نجح الشقيقان الفرنسيان نيسيفور وكلود نييبس في الإبحار لمنبع نهر ساون على متن قارب يعمل بمحرك احتراق داخلي يدور بخليط من أبواغ الطحالب وغبار الفحم والراتنج.
5
وقد منح نابليون بونابرت محركهما براءة اختراع على هذا الإنجاز. وتتابعت تجارب أخرى استخدم فيها غاز الهيدروجين وروح التربنتين وقودا. وقد أعقب هذه التجارب محاولات ناجحة أكثر فأكثر طوال القرن التاسع عشر أجراها مخترعون سويسريون وأمريكان وبريطانيون وفرنسيون وألمان وبلجيكيون باستخدام غاز الفحم - أحد المنتوجات الثانوية عن عملية تحويل الفحم الحجري إلى فحم الكوك، والغاز الرئيسي المستخدم في الإضاءة خلال عصر مصابيح الغاز - لتشغيل محركات الاحتراق الداخلي.
وأخيرا نجح المخترع الألماني نيكولاس أوتو في تصميم محرك يعمل بالغاز بالقوة والمتانة الكافيتين للإنتاج التجاري؛ فقد فتح أوتو عام 1864م مصنعا لإنتاج محركات الاحتراق الداخلي، وبحلول عام 1875م كان قد باع ما يزيد عن ستمائة محرك يعمل بالغاز. لكن نظرا لأن إمدادات غاز الفحم كانت تأتي عن طريق أنابيب معدنية مدفونة في الأرض، فلم يكن المحرك الذي يعمل بالغاز مناسبا إلا للمنشآت الثابتة، ولم يكن بمصدر الطاقة العملي للمركبات الآلية.
لكن في عام 1884م صمم المهندس البريطاني إدوارد بتلر أول محرك بنزين حديث، مضاف إليه ملف إشعال وشمعة إشعال ومكربن. وركب بتلر محركه في عربة ذات ثلاث عجلات أسماها الدراجة، كانت أقصى سرعاتها عشرة أميال في الساعة، لكن لم يستطع بتلر أن يجد عملاء لدراجته بسبب قانون الراية الحمراء المعيب الذي أصدرته بريطانيا عام 1865م، الذي قرر سرعة للمركبات ذاتية الحركة بحد أقصى ميلين في الساعة في المناطق السكنية وأربعة أميال في الساعة في الريف. وكان تجاوز هذه السرعات يستلزم أن يمشي شخص أمام المركبة حاملا راية حمراء؛ لذا فقد دمر بتلر اختراعه عام 1896م، وباع المعدن خردة، وتخلى عن سعيه لصنع مركبة آلية، وكرس ما تبقى من حياته لتصميم محركات احتراق داخلي للقوارب.
وفي نهاية المطاف كان المهندسون الألمان هم من نجح في حل المشكلات التقنية التي اعترضت سبيل إنتاج سيارة عملية وميسورة التكلفة؛ إذ أقدم جوتليب دايملر وفيلهيلم مايباخ، اللذان كانا موظفين سابقين في مصنع أوتو، على صنع محرك بنزين صغير ركباه في مركبة ذات عجلتين عام 1885م، ليبتكرا بهذا أول دراجة بخارية في العالم. وبدأ كارل بينز إنتاج أول سيارة تجارية عام 1886م، وفي عام 1890م بدأ دايملر ومايباخ كذلك إنتاج سيارات للسوق التجارية.
وأخيرا، نجح رودولف ديزل في اختراع أول نموذج عملي لمحرك كارنو، مستخدما مبادئ الديناميكا الحرارية التي وضعها المهندس العسكري وعالم الفيزياء الفرنسي نيكولا كارنو. نشرت هذه المبادئ قبل ذلك عام 1824م، حين كان كارنو ما زال في السادسة والعشرين من عمره، وكانت تصف عملية احتراق الوقود في الأسطوانة لا عن طريق الاشتعال بشرارة كهربائية، وإنما بالأحرى بالحرارة التي تولدت حين ضغط المكبس الغازات داخل الأسطوانة. ورغم أن حياة رودولف ديزل لم تستمر طويلا، حيث مات ميتة غامضة في البحر عام 1913م، فإن مبدأه صار مخلدا في محرك الديزل الذي حل محل المحرك البخاري منذ ذلك الوقت ليكون المصدر الأول للطاقة في أكبر وأثقل المركبات الحديثة؛ السفن والقاطرات والشاحنات الثقيلة ومعدات تحريك التربة.
مع نهاية القرن التاسع عشر تطورت الصناعات البترولية، التي بدأت بداية متواضعة للغاية في خمسينيات القرن التاسع عشر في أوروبا بصناعة شمع البارافين من النفط الخام لتصبح قوة صناعية رئيسية، وبحلول عام 1880م كان يضخ أكثر من عشرين مليون برميل نفط خام سنويا من آبار النفط في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. الجمع بين البنزين المستقطر من البترول ومحركات الاحتراق الداخلي ذات الآليات الدقيقة أتاح ابتكار محرك البنزين الحديث: وهو مصدر طاقة خفيف الوزن، وصغير الحجم، وقوي، ويمكن الاعتماد عليه، وموفر. وقد كان محرك البنزين الحديث هو ما أتاح، أكثر من أي آلة أخرى، لمخترعي أوائل القرن العشرين ابتكار كل من السيارة والطائرة؛ اثنتين من تقنيات النقل لمسافات بعيدة قلصت المسافات الفاصلة بين مجتمعات البشر لنسبة ضئيلة من حجمها السابق.
من الرماح النارية إلى الأسلحة النارية
Неизвестная страница