Без Границ
بلا قيود: تقنيات حررت البشر ودفعتهم لحافة الهاوية
Жанры
نشأ نوع المجتمع الذي نسميه «دولة» حين زاد سكان الحضارات المدنية لدرجة لم تعد معها بإمكان أسرة أو عشيرة أو قبيلة واحدة إدارة شئون المجتمع. وشجع هذا على تكوين الأنظمة البيروقراطية والطبقات الحاكمة التي كانت قائمة في المقام الأول على اشتراكهم في المواطنة كأعضاء في حضارة مدنية محددة بدلا من أن تقوم على صلاتهم العائلية أو اشتراكهم في العشيرة أو انتماءاتهم القبلية.
رغم أن معظم المجتمعات التي نعتبرها «دولا» اشتملت على مراكز مدنية متعددة، فإنه دائما ما كان يوجد مدينة واحدة مهيمنة تؤدي وظيفة «عاصمة» الدولة. على سبيل المثال، من الشائع أن ينسب الفضل إلى الفرعون مينا في «التوحيد» بين مملكتي مصر القديمة الشمالية والجنوبية لتصير أمة واحدة، أما الواقع فهو أن هذه الدولة القديمة تكونت حين غزا مينا وادي النيل بأكمله بالقوة؛ فكانت مصر الجديدة «الموحدة» تحكم من مركز مدني واحد، مدينة منف، الواقعة حيث يتشعب الجزء العلوي من النيل إلى العديد من الجداول والقنوات الأصغر حجما التي تكون دلتا النيل الكبرى.
أما فكرة «الإمبراطوريات» فقد ولدت حين غزت جيوش بعض الدول المدن والأراضي الخاضعة لحكم ثقافات أخرى؛ فحين غزا مينا طيبة ووحد مصر كلها، لم ينتج عن ذلك تكوين «إمبراطورية»؛ لأن قطري مصر الشمالي والجنوبي كليهما تجمعهما ثقافة مشتركة، شملت هذه الثقافة لغة مشتركة، ونظام كتابة مشتركا، واعتناق ديانة مشتركة، وعادات متشابهة في الزراعة، وتربية الحيوانات، وصناعة الفخار، والتعدين، ونقل المياه، وبناء المنازل. لكن لم يكتف الفراعنة ببسط سيطرتهم على ثقافة وادي النيل وحدها، وبنوا إمبراطوريات في نهاية المطاف بالتوسع في حكمهم جنوبا إلى النوبة، وشرقا عبر شبه جزيرة سيناء، وشمالا على امتداد سواحل البحر المتوسط حتى سوريا والحدود الجنوبية لتركيا.
تميز تاريخ الحضارات القديمة بفترات من السلام والرخاء تناوبت مع حروب وغزوات وإخضاع، وقد نشأت الإمبراطوريات التي أسستها الغزوات العسكرية حين كانت بعض الحضارات المدنية تغزو ثقافات أخرى وتفرض عليها خراجا، لكن لم تصمد أي من هذه الإمبراطوريات أكثر من بضعة قرون؛ إذ يتكون التاريخ القديم بالأحرى من سلسلة لا تنتهي فيما يبدو من الحروب والغزوات والائتلافات، وفترات من النمو والاستقرار، يتبعها فترات من الانحلال والفساد وسوء الإدارة والتدهور، ثم أخيرا العودة إلى الحرب. خلاصة القول، كانت أهم الاختلافات بين المدينة والدولة والإمبراطورية هي أن الدولة كانت دائما ما تشمل أكثر من مدينة - رغم أن العاصمة كانت دوما سائدة ومسيطرة بشكل أساسي - أما الإمبراطورية فكانت في العادة تضم أكثر من ثقافة واحدة.
ورغم هذه الاختلافات، فإن الطبيعة الجوهرية للمجتمع المدني كانت ثابتة ثباتا ملحوظا؛ فالسلطة والثروة كانتا متمركزتين في المدن، بينما الغذاء والمواد الخام، وفي بعض الحالات العمالة، كانت تتدفق من قرى الريف إلى المراكز المدنية. ومع إحلال مجموعة من الحكام محل مجموعة أخرى، ظل سكان الريف يزرعون محاصيلهم، ويربون حيواناتهم، ويرسلون إنتاجهم إلى المدن في شكل ضرائب وخراج. وفي الوقت ذاته، ظل سكان المدينة يصنعون أشياء، ويتاجرون مع المناطق البعيدة، ويمارسون السلطات العسكرية والسياسية والدينية التي ربطت هذه الحضارات معا في نسيج واحد.
رقم دنبار والاندماج الكبير
عند التدقيق في تتابع ممالك المجتمعات المتحضرة وأسرها الحاكمة ودول مدنها وإمبراطورياتها، قد نغفل بسهولة عن حقيقة أنها كانت إلى حد كبير أكبر الجماعات البشرية التي اندمجت في جماعات اجتماعية موحدة على الإطلاق؛ فمع تطور الزراعة اتسعت الجماعات البشرية من عشرات الأفراد الذين كانوا يشكلون مجموعة الرحالة إلى مئات الأفراد الذين كانوا يعيشون معا في بلدات العصر الحجري الحديث وقراه، إلا أن ظهور الحضارة المدنية مثل عملية أكبر كثيرا من الاندماج الاجتماعي، هي الأعظم في تاريخ البشرية قبل تكون الدولة القومية الصناعية الحديثة.
تكونت أغلب الحضارات القديمة من مجتمعات بلغ عدد أفرادها نحو مئات الآلاف، وكان كل مواطنيها يعترفون بنفس القادة، ويعدون أنفسهم أعضاء في نفس الثقافة، وكانوا يتفاعلون بصفتهم أفرادا في نفس الجماعة الاجتماعية. وهذا تطور جدير بالملاحظة بالتأكيد، حين نضع في الاعتبار أن المخ البشري قد يكون غير قادر بطبيعته المادية على أن يستوعب أكثر من 150 علاقة مكتملة في نفس الوقت.
في عام 1992م، درس اختصاصي علم الإنسان التطوري، روبين دنبار، العلاقة بين حجم المخ وحجم الجماعة في عدة أنواع من الرئيسيات؛ فوجد أن الأنواع ذات الأدمغة الأكبر حجما كانت قادرة على الحفاظ على أكبر الجماعات الاجتماعية المتماسكة، بينما كانت تلك الأنواع ذات الأدمغة الأصغر حجما قادرة على الحفاظ على أصغر الجماعات الاجتماعية المتماسكة فقط. وقد تصور نموذجه الرياضي أن الجماعات البشرية تظل مترابطة حتى يصل عدد أفرادها إلى 150 فردا تقريبا، مع وضع حجم المخ البشري في الاعتبار. وهكذا يكون رقم 150، الذي صار يسمى «رقم دنبار»، هو تقريبا أقصى عدد من العلاقات المكتملة التي يمكن لإنسان عادي أن يحافظ عليها في نفس الوقت.
9
Неизвестная страница