Бейрут и Ливан за полтора века
بيروت ولبنان منذ قرن ونصف القرن
Жанры
إن محمد علي - بعد أن أجاز إسناد هذه المهمة إلى «الرؤساء» - لم يعد يرى شيء في الأساكل أكثر ابتذالا من مراكز الوكلاء. إنه لم تبق إسكلة معروفة بعض الشيء، لا تزينها على الأقل نصف دزينة من الصواري المرفوعة عليها الأعلام؛ وهكذا كثر عدد الذين لا يصلحون لهذه الوظيفة؛ فأصبح بعض القناصل ينظرون إلى ما تدر لهم الإجازات الممنوحة من أرباح، أكثر مما ينظرون إلى أهلية ملتمسيها وأخلاقهم.
إن أجمل أحلام العربي هو أن يكون قنصلا؛ فليس غريبا أن نراه يحشد جميع ما يملك من قوى ووسائل للحصول على هذا المركز؛ ولذلك يعذر المصريون على جعلهم «الرؤساء» قناصل. والسلطنة العثمانية التي أبت دائما أن تعترف برعاياها المتخذين صفة أجنبية، أخذت تميل إلى التغاضي عن هذه البدعة لتثبت أنها أصبحت تعطف على «الرؤساء».
لا مشاحة في أن هنالك أناسا من العرب الألباء لم ينشدوا في مراكز وكلاء القناصل إلا ملجأ منيعا يحتمون به من تعسفات السلطات المحلية. إلا أن كثيرا منهم - ويا للأسف! - يعدون إجازتهم هذه براءة تقيهم العقوبة؛ فلا يخشون شيئا بعدما يحصلون عليها. والقناصل الذين منحوهم هذه الوظيفة مرتشون يحمون ظهورهم حين يسيئون العمل. إن أمثال هؤلاء يبصقون في حوض الجهاز القنصلي كلما لاحت لهم منفعة حقيقية أو وهمية يجنونها عن طريق الوساطة أو الرشوة. ومثل هذا الاتجار يؤدي إلى أسوأ العواقب التي تحط من كرامتنا ومصالحنا العامة.
ويجدر بنا أن نقرر هنا بأنه لا يليق ب «الرئيس» مطلقا أن يقف من السلطة التركية موقف أوروبي بسيط، فإذا كان أمثال هؤلاء الموظفين المفتقرين إلى مواهب لا يغني عنها النفوذ الشخصي، لا يستطيعون إثبات وجودهم؛ لأنه ليس بإمكانهم المحافظة على الكرامة أو القيام بالتكاليف الثقيلة التي تتطلبها صفات القنصل الممنوحة لهم منحا، فكيف يمكنهم التوفيق بينها وبين انغماسهم في تجارتهم أو تعاطيهم مهنة ليعيشوا منها؟
ولسنا نزعم فيما قلنا أنهم لم يأبهوا للصفة القنصلية التي اكتسبوها؛ فالحق يقال، إنهم أفرطوا في تقدير قيمتها حتى تجاوزوا حدود الخيلاء والعظمة، وأحبوا كثيرا الفخفخة التي لا قيمة لها.
فالأنانية المفرطة التي يتصف بها هؤلاء القناصل الذين عينهم قناصل آخرون استمد الأكثرون منهم سلطتهم من سفراء القسطنطينية؛ تذكرني - ولا شك - بالفكرة التي ختمت بها فصلي السابق. فبينما يجعل هؤلاء الموظفون أكبر أهمية لأنفسهم نرى أنفسنا - نحن الذين نمثل حكومتنا لا سفراءها - خفراء دفع بهم إلى مكان قصي خطر، ثم لا نستغرب هذا الضرب من النسيان الذي تقابلنا به دولتنا.
فهل يظن أني أحقر مهمتي ولا أتعمد إلا المبالغات؟ إني لم أكتب سطرا واحدا في هذا الكتاب إلا بعدما أشبعت موضوعه درسا ليكون صحيحا كل الصحة.
لا أنكر أن بين قناصلنا في تركيا رجالا أكفاء يملئون كراسيهم وينعمون باحترام فائق. وقد يكون مقام هؤلاء هو الذي جعل السائحين الجدد منا يتخيلون قنصليات المشرق أسرة حرير أو مناصب كهنوتية.
فأنا الذي يقلقني مصير أبناء وطني أرى لزاما علي أن أقول للذين يفتشون عن مركز يشغلونه في تركيا، على أمل أن ينعموا بالمسرات التي وعدهم بها المؤلفون الذين قرءوهم، أن لا يتسنموا مراكزهم إلا إذا كان لهم حام يستطيع دعمهم إذا ما تزعزع منصبهم الصعب وظهر إخفاقهم.
إن الإكثار - دون اتباع قاعدة أو اجتناء نفع ملموس - من القناصل والموظفين الذين يلتمسون هذه المناصب طمعا بالمنفعة الخاصة؛ كان السبب في وقوع مشاكل متواصلة، ودعاوى مريبة، سببها الحسد وغيرة بعضهم من بعض، وشد ما تضايق قناصل فرنسا من هذه الحالة؛ لأن مفوضيهم انغمسوا بعض الأحيان في هذه المشاكل، فاضطروهم إلى اتخاذ أقسى التدابير كي لا تسوء سمعتهم؛ إذ يصعب التوصل إلى نيل حق من محاكم القناصل الأجنبية.
Неизвестная страница