تقدمت أنطوانيت منه حتى أصبحت خلفه وهي تقول لي: دقيقة.
عكف وليد على الورقة بضع ثوان ، ثم نحاها جانبا، وجذب ورقة أخرى. والتقطت أنطوانيت الورقة ثم ناولتها لي.
طالعني رسم لم أتبين فحواه. كان يتألف من عدة خطوط وبقعة سوداء. قلبت الورقة في يدي. ولم ألبث أن تعرفت على خريطة فلسطين كما كانت تبدو سنة 1948، عندما اقتطع منها الصهاينة جزءا صغيرا أعلنوا فيه دولتهم.
انتهى وليد من ورقة ثانية، وعكف على أخرى. وناولتني أنطوانيت الورقة، فوجدتها تمثل نفس الخريطة، لكن البقعة السوداء التي تمثل إسرائيل كبرت وتضخمت، فاحتوت الضفة الغربية لنهر الأردن، وشبه جزيرة سينا، وهضبة الجولان السورية، ومدينتي غزة ورفح.
وفي الورقة الثالثة، امتدت أسهم من البقعة السوداء إلى جنوب لبنان. وفي الرابعة امتدت الأسهم إلى بيروت وعمان ودمشق. وفي الورقة الخامسة امتدت إلى بغداد والكويت والظهران وبني غازي.
شعرت بالضيق؛ فقد بدا لي أنه يعاملني كما لو كنت تلميذا في مدرسته؛ فما أراد أن يلمح إليه يعرفه الكافة من المحيط إلى الخليج. ولم يلبث ضيقي أن تبدد، عندما رأيت أن ظواهر الحال تنطق بعكس ذلك.
طويت الأوراق الخمس ودسستها في جيبي ثم صافحته. غادرت المسكن وخطوت إلى الخارج. ووقفت أنتظر أنطوانيت في مدخل المنزل. ورأيت على الجدار المقابل إحدى ملصقات الشهداء. وكانت تحمل صورة فوتوغرافية رديئة لوجه باسم يفيض بالفتوة، وأسفل الصورة كان اسمه، وإشارة إلى أنه تلقى دراسة عسكرية أكاديمية، وأنه قتل أثناء فك شحنة متفجرة.
لحقت بي أنطوانيت بعد فترة، فعدنا أدراجنا في صمت إلى حيث تركنا السيارة. وسرعان ما اجتزنا حاجز المسلحين. وانطلقنا في الطريق إلى مركز المنطقة الغربية.
قالت: أصيبت ساق وليد أثناء المذبحة التي دبرها الملك حسين للفلسطينيين في الأردن سنة 70. وتعرفت أنا عليه في نهاية ال 75. وكان طبيعيا تماما؛ يتكلم ويغني وكل شيء. وبعد الزعتر لزم الصمت.
سألتها: ألم يذهب إلى طبيب أو مستشفى؟ - كل الذين فحصوه أجمعوا على أن أجهزته السمعية والصوتية سليمة.
Неизвестная страница