وخيل إليه أن الغلام يغالب رغبة في معاودة الكلام، فسأله في شيء من القلق: هات ما عندك ولا تخف!
فقال كمال وهو يغض بصره: رأيتها تخرج منديلا ثم تتمخط!
والتوت شفتاه تقززا كأنما كبر عليه أن تند الفعلة عن عروس في ريق فتنتها، فما تمالك ياسين أن ضحك قائلا: لحد هنا عال، ربنا يجعل العواقب سليمة!
ألقى نظرة كئيبة على الفناء الخالي إلا من الطاهي وصبيانه، وبعض الأولاد والبنات، فتخيل ما كان ينبغي أن يوجد من معالم الزينة وسرادق الطرب ومجلس المدعوين، من قضى بهذا؟ ... أبوه! ... الرجل الذي يفوح عرقه بالمجون والعربدة والطرب ... أعجب به من رجل يحل لنفسه اللهو الحرام، ويحرم على بيته اللهو الحلال، وراح يتخيل مجلس السيد كما رآه في حجرة زبيدة بين الكأس والعود، فما يدري إلا وقد وثبت إلى ذهنه فكرة غريبة لم تخطر له من قبل على شدة وضوحها فيما رأى، تلك هي التشابه بين طبيعتي أبيه وأمه! طبيعة واحدة في شهوانيتها وجريها وراء اللذة في استهتار لا يقيم وزنا للتقاليد، ولعل أمه لو كانت رجلا لما قصرت عن أبيه في اللهج بالشراب والطرب أيضا! لذلك انقطع ما بينهما - أبيه وأمه - سريعا، فما كان لمثله أن يطيق مثلها، وما كان لمثلها أن تطيق مثله، بل ما كانت الحياة الزوجية لتستقيم له لولا وقوعه على زوجته الراهنة! ثم ضاحكا ضحكة لم يتح لها روعه من هذه «الفكرة الغريبة» روحا من السرور «عرفت الآن من أكون، لست إلا ابن هذين الشهوانيين، وما كان لي أن أكون غير ما كنت!» في اللحظة التالية تساءل: ترى ألم يخطئه الصواب عند إغفال دعوة أمه إلى زفافه؟! تساءل رغم إصراره على الاعتقاد بأنه لم يتنكب عن الصواب، لعل أباه رام إراحة ضميره حينما قال له قبل ليلة الزفاف بعدة ليال: «أرى أن تبلغ أمك، ولك إن شئت أن تدعوها إلى شهود زفافك.» ذاك قوله بلسانه لا بقلبه فيما يعتقد، فما يتصور أن يرضى أبوه له بأن يذهب إلى حيث يقيم ذلك الرجل الحقير الذي اتخذته أمه زوجا لها من بعد أزواج كثيرين، وأن يتودد إليها على مرأى منه بأن يدعوها إلى شهود زفافه، لا كان الزفاف، ولا كانت أي سعادة في هذه الدنيا إن حملته يوما على أن يصل ما انقطع بينه وبين تلك المرأة ... تلك الفضيحة ... تلك الذكرى المخزية! وما كان منه إلا أن أجاب أباه وقتذاك قائلا: «لو كان لي أم حقا لكانت أول من أدعو إلى زفافي!» انتبه فجأة إلى الأولاد والبنات وهم يرنون إليه، ويتهامسون فخص البنات بنظرة وسألهن بصوت جهوري ضاحك: «هل تحلمن بالزواج من الآن يا بنات؟» واتجه نحو باب الحريم وهو يذكر قول خديجة الساخر له بالأمس: «إياك وأن تستسلم غدا للحياء بين المدعوين وإلا عرفوا الحقيقة المرة، وهي أن أباك الذي زوجك ونقد مهرك وجملة تكاليف ليلتك، ولكن تحرك بلا توقف، تنقل بين حجرات المدعوين، ضاحك هذا وكلم ذاك، اطلع وانزل، تفقد المطبخ، اهتف وازعق، لعلك توهم الناس بأنك حقا رجل الليلة وسيدها!» فمضى ضاحكا، وفي نيته أن يمتثل النصيحة الساخرة، فخطر بين المدعوين بجسمه الطويل الجسيم في أناقة بديعة ووسامة جذابة، وشباب ريق، ذهب وجاء، ونزل وطلع، وإن لم يفعل شيئا، بيد أن الحركة نفضت عن نفسه طوارئ الفكر، فصفت نفسه لمفاتن الليلة. ولما خطرت العروس على قلبه سرت في بدنه قشعريرة بهيمية، ثم ذكر آخر ليلة قضاها عند زنوبة العوادة منذ شهر، كيف أنبأها بزواجه الوشيك وهو يودعها وكيف هتفت به بلهجة اصطنعت الغيظ: «يا بن الكلب! ... كتمت الخبر حتى نلت وطرك! ... (المركب اللي تودي أحسن من اللي تجيب) ... مع ألف شبشب يا بن المركوب.» لم يعد لزنوبة من أثر في نفسه، ولا لغيرها، أسدل الستار على هذا الجانب من حياته إلى الأبد، ربما عاود الشراب فما يظن أن تموت رغبته فيه، أما النساء فلم يتصور أن تزيغ عيناه إلى امرأة عابرة وبين يديه حسناء طوع بنانه، عروسه لذة متجددة، ري للظمأ الوحشي الذي طالما قلقل كيانه، ثم راح يتمثل حياته المقبلة، الليلة، والليالي الآتيات، الشهر والعام، فالعمر كله، ووجهه يسطع بهجة ناطقة لحظها فهمي بعين مليئة بحب الاستطلاع والغبطة الهادئة وغير قليل من الأسى، وجاء كمال الذي كان يتراءى في أي مكان فجأة، وخاطب ياسين والبشر يتألق في وجهه قائلا: الطاهي قال لي إن الحلوى تزيد على حاجة المدعوين والمدعوات، وإنه سيتبقى منها مقدار وفير.
45
زاد مجلس القهوة وجها جديدا بانضمام زينب إليه، وجها زكاه بريق الشباب وفرحة العرس، وفيما عدا هذا، وفيما عدا فرش الحجرات الثلاث المجاورة لحجرة الوالدين في الدور الأعلى بجهاز العروس، فلم يحدث زواج ياسين تغييرا يذكر في النظام العام للبيت، سواء من الناحية السياسية التي ظلت خاضعة بكل معاني الكلمة لسلطان السيد وإرادته، أو من الناحية الإدارية الداخلية التي ظلت وحدة تابعة لهيمنة الأم كما كان الحال قبل الزواج. التغيير الجوهري حقا كان الذي طرأ على النفوس، ودار مع الخواطر، فدقت رؤيته على الحواس، إذ لم يكن من اليسير أن تشغل زينب مكانة الزوجة للابن البكر، وأن يجمعهما وبقية أفراد الأسرة بيت واحد من دون أن يطرأ على العواطف والمشاعر تطور ذو شأن، رمقتها الأم بنظرة امتزج فيها الرجاء بالحذر، هذه الفتاة التي قضي عليها بأن تعاشرها دهرا طويلا ربما امتد حتى نهاية العمر، أي إنسان تكون؟ ماذا تخبئ وراء ابتسامتها الرقيقة؟ بالجملة استقبلتها كما يستقبل مالك البيت ساكنا جديدا، فيؤمله ويحاذره، أما خديجة فعلى رغم المجاملات التي تبودلت بينهما، جعلت تسدد نحوها عينين نافذتين مفطورتين على السخرية وسوء الظن، منقبة عن العيوب والمآخذ بحرص ساخط لم يلق من انضمامها إلى البيت، وفوزها بالزواج من أخيها إلا ضيقا خفيا، فلما اعتكفت الفتاة في حجراتها الأيام الأولى من الزواج ساءلت خديجة أمها وهما في حجرة الفرن: «ترى هل حجرة الفرن مكان غير لائق «بها»؟» ومع أن الأم وجدت في تهجمها ترويحا عن حيرة ظنونها، إلا أنها اتخذت موقف الدفاع عن الفتاة، وأجابتها قائلة: «صبرك، لم تزل عروسا في بدء عهدها الجديد!» فتساءلت الأخرى بلهجة تشي بالاستنكار: «ومن ذا الذي قضى بأن نكون خدما للعرائس؟!» فسألتها أمها وكأنما تطرح السؤال على نفسها هي: «أتفضلين أن تستقل بمطبخها؟» فهتفت خديجة معترضة: «لو كان المال مال أبيها لا مال أبي لجاز هذا! ولكني أعني أنها يجب أن تعمل معنا.» على أنه لما قررت زينب، بعد انقضاء أسبوع على الزواج، أن تحمل بعض الأعباء في حجرة الفرن لم يرحب قلب خديجة بهذه الخطوة التعاونية، ومضت تلاحظ عمل العروس بدقة انتقادية، وتقول لأمها: «لم تجئ لتعاونك، ولكن لتمارس ما لعلها تدعيه لنفسها من حق.» أو تقول ساخرة: «طالما سمعنا عن آل عفت أنهم من الصفوة، وأنهم يأكلون ما لا يأكل الناس ... فهل وجدت في طهيها شيئا عجيبا لم نسمع به؟!» بيد أن زينب اقترحت يوما أن تصنع «الشركسية» باعتبارها الصنف الأثير على مائدة أبيها - وهي المرة الأولى لدخول الشركسية في بيت السيد - فحازت لدى تناولها إعجابا شاملا بلغ أقصاه عند ياسين، حتى إن الأم نفسها لم تبرأ من لسعة غيرة، أما خديجة فجن جنونها، وجعلت تهزأ بالصنف قائلة: «قالوا شركسية قلنا يعيش المعلم يتعلم، ولكن ماذا رأينا؟ أرزا وصلصة في هيئة بوليتيكا، طعمها لا هنا ولا هناك. كالعروس تزف إلى عريسها في حلة خلابة وحلي لألاء، حتى إذا نزعت عنها ثياب العرس بدت فتاة عادية من نفس الخلطة المعروفة من قبل أي اللحم والعظم والدم!» ثم ما كاد يمضي على الزواج أسبوعان، حتى قالت على مسمع من أمها وفهمي وكمال إن العروس وإن كانت بيضاء البشرة، وذات حظ «معتدل» من الجمال، إلا أن دمها ثقيل كالشركسية سواء بسواء، قالت هذا في نفس الوقت الذي أكبت فيه على استظهار دقائق صنع الشركسية بحذقها المعترف به! على أن ثمة أحاديث صدرت عن زينب بحسن نية - في الأقل لأن وقت سوء النية لم يئن بعد - فأثارت الخواطر وألقت عليها ظلا من الشك، إذ طاب لها كلما تهيأت مناسبة أن تنوه بأصلها التركي وإن التزمت الأدب واللطف، كما لذ لها أن تروي لهم بعض ما شاهدت من رحلات في حنطور والدها، وبصحبته إلى الملاهي البريئة والحدائق، فوقع الحديث كله من نفس الأم موقعا أدهشها إلى حد الانزعاج. عجبت لتلك الحياة التي تسمع عنها لأول مرة، وأنكرتها، واستنكرت فيما بينها وبين نفسها هذه الحرية الغريبة استنكارا جاوز كل تقدير، إلى أن المباهاة بالأصل التركي - وإن لطفت بالأدب والبراءة - ساءتها كثيرا؛ لأنها كانت - على تخشعها وانطوائها - شديدة الاعتزاز بأبيها وبعلها، فترى أنها بهما في مكانة لا تداني، إلا أنها كظمت ما قام بنفسها، فلم تلق زينب منها إلا اهتمام الإصغاء وابتسامة المجاملة، ولولا حرص الأم الشديد على السلام لانفجرت خديجة حنقا ولساءت العاقبة، على أنها نفست عن غيظها بطرق ملتوية ليس من شأنها أن تعكر صفو السلام كتعليقها على أنباء الرحلات مثلا - وهي التي لم يسعها أن تجهر فيها برأيها - بالمبالغة في إظهار الدهشة، أو بالهتاف وهي تحملق في وجه محدثتها «يا خبر!» أو بأن تضرب براحتها على صدرها وهي تقول: «ويراك السابلة وأنت تمشين في الحديقة!» أو بقولها: «ما كنت أتصور إمكان هذا يا ربي!» وغير ذلك من العبارات التي وإن لم تفصح ألفاظها عن إساءة، إلا أن لهجتها الممطوطة التمثيلية تضمنت أكثر من معنى كلهجة الزجر التي يصطنعها الأب وهو يتلو القرآن مصليا إذا ما أنس من ابنه غير البعيد عنه إخلالا بالنظام أو الأدب وعز عليه لزجره صراحة أن يخرج من الصلاة؛ لذلك لم تكن تخلو إلى ياسين حتى تبادره مروحة عن غيظها الذي عز عليها المتنفس: «يا سلام يا سلام على عروسك النزهية.» فيقول لها ضاحكا: «هذه هي الموضة التركية التي تسمو على إدراكك!» فتذكرها صفة «التركية» بالمباهاة الثقيلة على قلبها، فتقول: «على فكرة، ست الدار تباهي كثيرا بأصلها التركي، لماذا؟ ... لأن جد جد جد جد جدها تركي! ... حذار يا أخي، فإن خاتمة التركيات الجنون.» ولكنه يقول لها مجاريا سخريتها: «الجنون أحب إلي من وجه أنفه يجنن ذا الذوق السليم!» تراءى لأعين المتنبئين النقار المتوقع بين خديجة وزينب في أفق الأسرة، فنبهها فهمي إلى ضبط لسانها أن يبلغ الفتاة شيء من هذرها، وأشار محذرا إشارة خفية إلى كمال الذي دأب على التنقل بينهم وبين العروس تنقل الفراشة - حاملة اللقاح - بين الأزهار! ولكن غاب عنه - كما غاب عن الأسرة جميعا - أن القدر كان يعمل من جانبه على الحيلولة بين الفتاتين، إذ زارت البيت حرم المرحوم شوكت وعائشة زيارة لم يحلم أحد من قبل بأن تتوج بالنهاية التي توجت بها، قالت العجوز تخاطب الأم على مسمع من خديجة: يا أمينة هانم جئتك اليوم خاصة لأخطب خديجة لابني إبراهيم ...
فرحة بلا تمهيد وإن طال انتظارها حتى شق؛ فلذلك سجع صوت المرأة في أذني الأم سجعا جميلا، حتى إنها لم تذكر أن قولا - قبله - بل صدرها بندى الطمأنينة والسلام كما بله، فكاد يستخفها الفرح وهي تقول بصوت متهدج: ليس لي في خديجة أكثر مما لك، هي ابنتك ولتجدن في حماك أضعاف ما تجد في بيت أبيها من السعادة.
استرسل الحديث السعيد إلا أن خديجة جعلت تغيب عنه فيما يشبه الذهول، خفضت عينيها في حياء وارتباك، وقد زايلها روح السخرية التي طالما توهجت في حدقتيها، فشملتها وداعة غير معهودة ثم جرت مع تيار خواطرها، جاء الطلب مفاجأة، وأي مفاجأة، فكما بدا عسيرا في غيابه بدا غير مصدق في حدوثه، حتى لقد غشيت فرحتها موجة ثقيلة من الذهول ... «لأخطب خديجة لابني إبراهيم» ... ماذا دهاه؟ ... إنه على خموله الذي أثار هزءها حسن المحيا وجيه في الرجال، فماذا دهاه؟! - ومن حسن الطالع أن يجمع بين الأختين في بيت واحد.
صوت حرم المرحوم شوكت يؤكد الحقيقة ويزكي وجوهها ... ليس ثمة شك ... إبراهيم مثل خليل مالا وجاها، فأي حظ ادخرته لها الأقدار. لشد ما أسفت على أن عائشة سبقتها إلى الزواج؛ إذ لم تكن تدري أن زواج عائشة هو الذي قدر له أن يفتح لها أبواب الحظ المغلقة. - ما أجمل أن تكون السلفة هي الشقيقة، فيزول سبب جوهري من أسباب وجع الدماغ في الأسر (ثم ضاحكة) فلا تبقى إلا حماتها وأظن أمرها هينا! - إن تكن سلفتها هي شقيقتها، فحماتها هي أمها بلا نقصان.
لم تزل الأمان تتجاملان. لقد أحبت العجوز وهي تزف إليها البشرى بقدر ما أبغضتها يوم خطبت عائشة! يجب أن تعلم مريم بالخبر اليوم، لا تطيق أن تؤجله إلى الغد، لا تدري ما الدافع إلى هذه الرغبة الملحة، لعله قول مريم لها غداة خطبت عائشة: «ماذا كان عليهم لو أنهم انتظروا حتى تتم خطبتك أنت!» فأغراها وقتذاك سوء ظنها المطبوع باتهام براءته الظاهرة. ولما انصرفت أسرة شوكت قال ياسين بقصد التحرش والدعابة: الحق أني مذ رأيت إبراهيم شوكت قلت لنفسي: ما أجدر هذا الرجل الثور الذي لا يبدو أنه يفرق بين الأبيض والأسود أن يقع اختياره يوما على زوجة مثل خديجة.
Неизвестная страница