Барика Махмудийя
بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية
Издатель
مطبعة الحلبي
Номер издания
بدون طبعة
Год публикации
١٣٤٨هـ
(الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) اقْتِبَاسٌ مِنْ بَعْضِ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ فَفِيهِ أَبْلَغُ وَآكَدُ رَدٍّ وَالْمَعْنَى يَخْلِطُونَ الْحَقَّ الْمُنَزَّلَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ حَتَّى يَشْتَبِهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَوْ يَجْعَلُونَ الْحَقَّ مُلْتَبِسًا بِسَبَبِ الْبَاطِلِ الَّذِي يُحْدِثُهُ هَوَاهُمْ وَيُلْهِمُهُ شَيْطَانُهُمْ (وَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) يَعْنِي يُلْبِسُونَ الْحَقَّ لِمَنْ سَمِعَهُ وَيُخْفُونَهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَ اللَّبْسِ لِمَا يَصْحَبُهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَتَكْرِيرِ الْحَقِّ إمَّا لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ أَوْ لِزِيَادَةِ تَقْبِيحِ حَالِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْحَقِّ (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أَنَّهُ الْحَقُّ الْقَاطِعُ الظَّاهِرُ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا تَسْهِيلَ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَحَصْرَ الْكَمَالِ لَدَيْهِمْ مِنْ سَخَافَةِ الْعُقُولِ وَإِضَاعَةِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ ثُمَّ قِيلَ لَقَدْ أَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ فِي طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ إذْ الْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ وَلَا يَجُوزُ سُوءُ الظَّنِّ فِي مُعَيَّنٍ بَلْ اللَّائِقُ التَّأْوِيلُ سَتْرًا لِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا التَّجَسُّسُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ بَلْ اللَّازِمُ هُوَ النُّصْحُ فَلَا يُوجَدُ فِي زَمَانِنَا وَبِلَادِنَا بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ زَمَانِنَا مِنْ تَخْصِيصِ الْكَلَامِ بِالْمَقَاصِدِ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ عَلَى رُءُوسِ الْأَنَامِ مَعَ التَّجَسُّسِ وَسُوءِ الظَّنِّ مَعَ اعْتِقَادِ ذَلِكَ طَاعَةً وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ الْآثَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَلِمَاتِ الرَّدِيئَةِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْأَفْهَامِ.
أَقُولُ: هَذَا مُوجِبٌ لِتَعَطُّلِ أَبْوَابِ التَّعْزِيرِ وَالْحُدُودِ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ وَسَدِّ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَيْفَ يُؤَوَّلُ كَلَامٌ هُوَ صَرِيحٌ بَلْ مُحْكَمٌ فِي الْخَطَأِ وَأَنَّ زَمَانَهُ قَرِيبٌ إلَى زَمَانِنَا وَبَلَدَهُ دِمَشْقُ الشَّامِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا فِيهِ مِنْ مُتَصَوِّفَتِهِمْ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ مَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بَلْ يَجِبُ مَنْعُهُ عَنْ الْقَادِرِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ الِاقْتِصَادِ فِي الْعَمَلِ]
[الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) آخِرُ فُصُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ (فِي الِاقْتِصَادِ) أَيْ التَّوَسُّطِ بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ (فِي الْعَمَلِ) بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ
(الْآيَاتُ) أَيْ هَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ فِي الْبَقَرَةِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ ﴿الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ السُّهُولَةَ وَالتَّسْهِيلُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ إبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ.
أَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ إرَادَةُ اللَّهِ التَّخْفِيفَ فِي كُلِّ مَا شُقَّ فِيهِ وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَخَرَّجُوا عَلَيْهَا رُخَصَ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ فِي الْعِبَادَاتِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْعُسْرِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأَنَّهُ لَا يُشَدِّدُ وَلَا يُضَيِّقُ قَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْك أَمْرَانِ أَيْسَرُهُمَا أَقْرَبُهُمَا لِلْحَقِّ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا فِي الْمَسْجِدِ يُطِيلُ الصَّلَاةَ فَأَتَاهُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ وَكَرِهَ لَهُمْ الْعُسْرَ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَمِنْهَا آيَةُ النِّسَاءِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمْ الشَّرِيعَةَ السَّمْحَةَ السَّهْلَةَ وَرَخَّصَ لَكُمْ فِي الْمَضَايِقِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلِهَذَا لَمْ يُثْقِلْ عَلَيْنَا كَمَا ثَقُلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْعُفُ عَنْ الصَّبْرِ عَنْ الْجِمَاعِ وَلَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ وَلِذَلِكَ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ لِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَعَنْ الْبَغَوِيّ أَيْ خَلَقَهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَا يَصْبِرُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَلَا يَتَحَمَّلُ مَشَاقَّ الطَّاعَاتِ.
وَقِيلَ أَيْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ إلَّا مَنْ أُيِّدَ بِنُورِ الْيَقِينِ وَمِنْهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] ضِيقٍ فِي الدِّينِ
1 / 119