وظن الفتى، وفي قلبه حزن أي حزن ولوعة أي لوعة، أنه سيرد عن السفر مرة ثالثة، ولكن الأستاذ لطفي السيد والأمير أحمد فؤاد ييسران له سفره، ويصبح من غد فيركب القطار إلى بورسعيد، ويصعد إلى سفينة هولندية تعبر به البحر إلى نابولي.
وما أعظم الفرق بين سفره هذا إلى نابولي وعودته تلك إلى الإسكندرية! كان لا يملك نفسه من الفرح والمرح والسرور، وكان كل شيء يضحكه ويغريه بالبهجة والاغتباط حتى حين أقبل الخادم عليه وعلى صاحبه الدرعمي بعد أن تقدم الليل قليلا فقال لهما: إذا سمعتما الجرس فأسرعا إلى اتخاذ منطقة النجاة ثم أسرعا إلى الزورق المخصص لكما.
قال الدرعمي: وفيم هذا كله؟
قال الخادم: فإنك تعلم أن الحرب قائمة، وأننا لا نأمن من أن تعرض لنا في الطريق إحدى الغواصات، ثم انصرف.
وأخذ صاحبنا الدرعمي يعول شاكيا باكيا ذاكرا أمه التي لن يراها ولن تراه، والفتى مغرق في ضحك لا يكاد ينقضي.
ولم تعرض للسفينة غواصة، ولم يلق المسافرون كيدا، وإنما بلغوا مدينة نابولي ذات صباح؛ ولم يكادوا يطئون الأرض الإيطالية حتى ألح صاحبنا على صديقه الدرعمي في الإسراع إلى مكتب البريد.
وهناك وجد رسالتين كانتا تنتظرانه من باريس، فقرأهما عليه صديقه مرة ومرة، فلما طلب منه قراءتهما للمرة الثالثة، قال له منكرا: إليك عني، فإن في مدينة نابولي ما هو أنفع لنا وأجدى علينا من ترديد هذا الكلام الذي حفظناه عن ظهر قلب!
وأنفقا في نابولي يوما سعيدا، حتى إذا كان الليل، ركبا القطار إلى باريس.
الفصل الثالث عشر
في الحي اللاتيني
Неизвестная страница