Мои страницы... Моя жизнь (часть первая)

Наваль Эль Саадави d. 1442 AH
163

Мои страницы... Моя жизнь (часть первая)

أوراقي … حياتي (الجزء الأول)

Жанры

كيف خلت مفكرتي من أحاسيس الأمومة؟! هذا الشلل الطاغي بالفرح، هذه اللمسات بين جسد الأم وجسد الابنة، التيار المتدفق باللذة يسري مع الدم في الأوردة والشرايين، ينقلب الألم سعادة وينقلب الخوف شجاعة، إذا انقلب القطار في هذه اللحظة يمكن أن أطير من النافذة وابنتي بين ذراعي، يمكن أن أفعل أشياء خارقة للعادة.

في مدينة بنها هبطت من القطار، رصيف المحطة كان مزدحما بالناس، موظفون بالبدل الإفرنجية، العجائز منهم بالطرابيش، فلاحون بالجلاليب والطواقي، نساء البندر بالفساتين القصيرة حتى الركبتين، الفلاحات العجائز بالجلاليب السوداء الطويلة، رءوسهن ملفوفة بالطرح، الشابات بالجلاليب الملونة والضفائر الطويلة، ناظر المحطة ينفخ في صفارته، ينتفخ صدغاه بالهواء مثل ناظر محطة منوف، بائع السميط والجبنة الرومي ينادي بصوته القديم، القطار ينفث الدخان الكثيف مطلقا صفارة طويلة حادة، صورة جمال عبد الناصر تغطي الجدران، التلاميذ والتلميذات يتسابقون في الجري فوق الرصيف، يصرخون بالفرح يتقاذفون بالحقائب بالكراريس بالقراطيس.

أتوقف دائما لأرقب هذا المشهد في المحطات، حركة الناس المسافرين، يجرون بالحقائب هنا وهناك، صاعدين أو هابطين، رائحة الدخان تملأ الجو، مع رائحة السميط والجبنة الرومي، مع الكازوزة والصفافير واللهجات من كل نوع، الحركة النشيطة مع الحماس، كالعدوى يدب النشاط في جسدي، أحرك قدمي فوق الأرض بخفة، أجري وسط الناس كمن تسبح في البحر، الحقيبة في يدي والطفلة فوق صدري، يهتز جسدها مع حركة جسدي، تضحك بشهقات الأطفال المتقطعة، عيناها تلمعان بالدهشة: إلى أين تجري أمها بهذا الحماس؟ عيناها تتساءلان، لم تتعلم عنها بعد، العينان تنطقان قبل اللسان، لغة العيون تعجز عنها الكلمات، همست في أذنها بالأغنية: إجري إجري إجري ... وديني أوام وصلني! ضحكت ابنتي وراحت تهز رأسها مع اللحن كما كنت أهز رأسي وأنا في عمرها وأغني: دي دي تيا ... دي دي تيا ...

ركبنا سيارة أجرة من محطة بنها، المسافة بينها وبين قرية طحلة عشرة كيلو مترات، الشوارع في مدينة بنها ترابية مليئة بالحفر والمطبات، يصعد الطريق بنا إلى جسر النيل، السيارة قديمة مكسورة النوافذ، تصطك عجلاتها وأبوابها بعضها ببعض، تعلو وتهبط مع المطبات مثل المرجيحة، تضحك ابنتي وهي تتأرجح فوق صدري، أضحك معها والسائق يشاركنا الضحك، ويقول: العربية دي فيها البركة زي القطط بسبع أرواح، كان عندي حنطور ما شاء الله عليه، والحصان كان زي الحصان، لكن ربنا افتكره، دفنته في التربة مع المرحوم أبويا، وحزنت عليه أكثر من أبويا - الله يرحمه - كان حصان أصيل ابن ناس، ياكل قليل ويشتغل كثير، عشان كده ربنا أخده، ربنا دايما ياخد الحاجات الغالية الأصيلة! - البقية في حياتك يا أسطى وحياة العربية الجديدة. - دي عربية قديمة من أيام سيدنا نوح، لكن ربنا عوضني بيها عن الحصان، وأهي ماشية زي الحصان، مع إنها صفيح في صفيح لا تاكل ولا تشرب ولا تموت، سبحان الله ربنا حط الروح في الصفيح، مش روح واحدة لكن سبع أرواح!

ابنتي ترمق السائق بانتباه، رأسه ملفوف بكوفية بيضاء لها شراشيب حمراء تهتز مع اهتزازات رأسه، تضحك وتمد يدها لتمسك الشراشيب، يداعبها السائق، يشير إلى النيل: شوفي البحر حلو إزاي ما فيش بحر زي ده عندكم في مصر!

الهواء منعش له رائحة الطمي والزرع، دخان القاهرة يتسرب من مسام جسدي وعقلي، حياتي الماضية تتقهقر إلى الوراء ومعها المدينة، كأنما لم تكن لي حياة إلا في هذه البقعة من الأرض، فوق هذا المكان من جسر النيل، في هذه اللحظة الحاضرة الممدودة في الكون إلى ما لا نهاية.

على باب الوحدة تجمع الفلاحون والفلاحات، وانطلقت الزغاريد والأصوات: يا ألف مرحب بالضكطورة! الدنيا نورت من طحلة لكفر طحلة لدجوي والرملة لغاية بنها كمان! دي الضكطورة بتاعتنا، السعداوية بنت السيد بيه، أبوها ربنا يطول عمره أفضاله على الجميع! يا ألف مرحب المجمع نور يا ضكطورة!

كلمة المجمع تعني عندهم الوحدة المجمعة، وهي مجموعة من المباني الجديدة البيضاء، ترقد وسط الزرع مثل حمامات السلام، تشمل الوحدة ثلاثة أقسام: القسم الصحي، القسم الاجتماعي، والقسم التعليمي أو المدرسة.

كان مشروع الوحدات المجمعة الريفية في بدايته عام 1956م، أحد مشاريع الثورة، يشرف عليه في القاهرة جهاز إداري ضخم اسمه المجلس الأعلى للخدمات، يرأسه رجل من أعوان جمال عبد الناصر اسمه محمد فؤاد جلال، يحتل القصر الفخم في شارع قصر العيني، خلف البرلمان، أصبح هذا القصر في عهد أنور السادات مقر هيئة جديدة أطلق عليها اسم مجلس الشورى وباللغة العامية الشورة، الشوربة باللغة الشعبية الساخرة، وتعني اختلاط الحابل بالنابل أو الفوضى في الدولة، تطورت إلى كلمة شعبية أخرى «كوسة» ثم بمية، وتعني الفساد وانتشار الواسطة والرشوة.

لم ألتق بفؤاد جلال إلا مرة واحدة، في الاحتفال الكبير بتعيين أول فوج من الأطباء، كانوا جميعا من الذكور، رفض المجلس الأعلى للخدمات تعيين الطبيبات في الريف.

Неизвестная страница