Мои страницы... Моя жизнь (часть первая)
أوراقي … حياتي (الجزء الأول)
Жанры
لم أرفض في حياتي رجلا كما رفضت الدكتور رشاد، لم أكن أعرف أن الرجل ينجذب إلى المرأة التي ترفضه، لا يهدأ حتى يرفض الرفض، معركة يخوضها حتى آخر نفس، يشهر فيها كل أسلحته الخمسة عين، عمارة تطل على النيل في المعادي، عزبة في الشرقية، عيادة في ميدان الإسماعيلية، عربة «شيفروليه» زرقاء طويلة يتهادى بها أمام محطة الأتوبيس، يراني واقفة، يوقف السيارة بجانب الرصيف، يطل برأسه من النافذة: «تعالي يا نوال أوصلك.» أنتزع من عضلات وجهي ابتسامة: أشكرك يا دكتور، لا يستسلم الدكتور رشاد لهذا الرفض المؤدب، يكرر الطلب: «تعالي أوصلك بدل زحمة الأتوبيس.» أشكرك يا دكتور، شكرا يا دكتور، أهز رأسي بالشكر والرفض، وهو يكرر الطلب، يزداد رفضي بازدياد إصراره، يزداد إصراره بازدياد الرفض.
في أعماقي كنت أرفضه، جسدي يرفضه حين يصافحني بيده كالقبضة الحديدية، عقلي يرفضه أيضا والروح الكامنة في جسدي، الغامضة غموض الملائكة والشياطين، حتى اليوم لا أعرف لماذا رفضته بهذا العنف.
لكن الكراهية كالحب تحدث بلا سبب، أو ربما ذلك السبب غير المدرك بالعقل، مثل الحقائق الكبرى لا يدركها العقل البشري ومنها حقيقة وجود الله، وقد تشككت في هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق الكبرى، لكني لم أتشكك في مشاعري تجاه الناس، تتحدد مشاعري دائما في أول لقاء، يحدث الحب أو الكره من النظرة الأولى للوجه، العينان نافذتان أطل داخلهما وأعرف الإنسان، عظام الوجه مع الأنف والفم تستكمل الصورة، منذ كنت طفلة في السابعة حتى تجاوزت الستين من العمر لم تتغير نظرتي لوجوه الناس، لم أفقد ثقتي في الانطباع الأول، النظرة الأولى تلهمني أشياء كثيرة يعجز عنها العقل أو العقل الظاهر، لم أكن أعرف الكثير عن العقل الباطن، قرأت شيئا مما كتبه سيجموند فرويد عن أجزاء العقل الواعية والأجزاء غير الواعية شيئا فشيئا مع تزايد العلم بخلايا المخ وأسرار الخلية الحية، تجارب الحياة تكشف الحجاب أكثر من العلم.
في صيف عام 1957م قبل وفاة أمي جاء الدكتور رشاد إلى بيتنا في حي العمرانية، تقدم لأبي يطلب يدي، كان يوما حارا مليئا بالغبار، توقفت سيارته الزرقاء الشيفروليه أمام بيتنا، أطلت عليها عيون الجيران من النوافذ، انبهرت بها النساء والرجال من عائلة أمي وأبي، وانفتح بابها وخرج العريس طويلا ممشوقا داخل بدلة أنيقة بيضاء من الشاركسكن، كنت أكره البدل اللامعة والأحذية اللامعة والشعر اللامع المدهون والدبوس اللامع في الكرافتة والفص اللامع في الخاتم.
في غرفة الصالون جلس الدكتور رشاد، كل شيء فيه يلمع خاصة النظارة الزجاجية، ولا شيء فيه منطفئ إلا العينين، أنظر في عينيه أبحث عن البريق، لم أعرف متى انطفأ البريق في عينيه؟ في طفولته؟ في شبابه وهو طالب؟! أم مؤخرا بعد أن أصبح أستاذا مساعدا في كلية الطب؟! - أهلا رشاد بيه. - أهلا سعداوي بيه.
يتبادلان لقب البكوية رغم سقوط الألقاب منذ الثورة، الأب والعريس جالسان في الغرفة الشديدة الإضاءة، تدخل الخادمة حاملة الصينية الفضية العتيقة، حملتها وأنا في العاشرة من العمر وانقلبت فوق صدر العريس، تعثرت الخادمة في خيط السجادة العجمية، عتيقة أيضا منذ ليلة زفاف أمي، بهتت ألوانها بمثل ما بهت وجه أمي، كادت الصينية تنقلب فوق بدلة الدكتور رشاد، أفلتت من فمي ضحكة مسموعة وأنا جالسة في الركن، تذكرت طفولتي في منوف حين كانت تزورنا مس إيفون، أمد قدمي وأخفي الثقب في السجادة، منذ الثورة لم أعد أخجل من مظاهر الفقر، لم أعد أخفي عمتي الفلاحة عن أعين زملائي وزميلاتي. - أهلا رشاد بيه. - أهلا سعداوي بيه.
كنت أرتدي ثوبا قديما من قماش رخيص اسمه جباردين، لونه رمادي حزين، قلبي ثقيل مملوء بالحزن، أبي عيناه تلمعان بالفرح، هذا هو الزوج المناسب لابنته الدكتورة، وليس الزوج السابق، الطالب الفاشل أو الفدائي الموهوم.
لم تدخل أمي إلى غرفة الصالون، كانت في فراش المرض قبل وفاتها بثلاثة شهور، على طرف السرير تجلس خالتي نعمات، جاءتنا في زيارة ذلك اليوم، تأملت الدكتور رشاد من شق الباب، وعادت إلى أمي تشهق بالفرح: «زي القمر والله ودكتور أد الدنيا ... أي بنت في الدنيا تتمناه، ليه بنتك نوال ترفضه يا زينب؟» «مش عارفة يا نعمات اسأليها.» سألتني طنط نعمات ذلك اليوم: إيه عيب الدكتور رشاد يا نوال؟ لم أعرف بماذا أرد، لم يكن فيه عيب واضح، «مش عارفة يا طنط مش باحبه.» تشوح طنط نعمات بيدها في الهواء: «حب إيه وكلام فارغ إيه، أخدتي إيه من الحب يا بنتي غير إنك بقيتي مطلقة.»
كلمة «مطلقة» اخترقت أذني بصوت طنط نعمات كالكلمة النابية، كان طلاق المرأة نوعا من العار، المرأة المطلقة لا يتزوجها أحد، يقولون عنها امرأة نصف عمر تم استخدامها من قبل، إن تزوجها أحد فهو يشرب من إناء شرب منه غيره، هكذا كان يكتب عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء الرجال.
حاربت في البيت لأرفض الدكتور رشاد، كما حاربت من قبل لأتزوج أحمد، لم أكن أؤمن بالزواج إلا لسبب واحد هو الحب، كلمة زواج أو عريس لها منذ طفولتي تاريخ سيئ، استطاع الحب أن يطمس هذا التاريخ فأقدمت على زواجي الأول، إلا أن الحب عمره قصير كزهور الربيع، أو ربما هو الزواج يفسد الحب، هناك شيء غير طبيعي في مؤسسة الزواج، أيكون هو قانون الطاعة؟ أول بند من القانون يقول: الرجل يمتلك زوجته وهي لا تملكه، واجب الزوج الإنفاق وواجب الزوجة الطاعة.
Неизвестная страница