ثم حث المطرب على الغناء؛ ليغطي غناؤه على الأصوات المعربدة. ومضى الحفل في مغالبة للوجوم حتى انصرف الجميع. ولم يبق في البيت إلا رفاعة وياسمينة. بدت الفتاة في ثوب العرس آية في الجمال، وإلى جانبها جلس رفاعة في جلباب حريري مهفهف، وعلى الرأس لاسة مزركشة، وفي القدمين مركوب فاقع الاصفرار. جلسا على كنبة، يقابلها في الناحية الأخرى الفراش المورد. وقد لاحت في مرآة الصوان صورة الطست والإبريق تحت الفراش. والظاهر أنها كانت تتوقع من جانبه هجوما، أو في الأقل تمهيدا للهجوم المنتظر، ولكنه لبث يردد البصر بين الفانوس المدلى من السقف والحصيرة الملونة.
ولما طال الانتظار أرادت أن تبدد كثافة الصمت المخيم فقالت برقة: لن أنسى فضلك؛ إني مدينة لك بحياتي.
فنظر نحوها في مودة، وقال بصوت من لا يود الرجوع إلى هذا الحديث: كلنا مدينون بحياتنا لغيرنا.
ما أطيبه! ليلة الحادث أبى أن يبيح لها يديه تقبلهما، وهو الآن لا يود تذكيره بالجميل الذي صنع. ليس كمثل طيبته إلا صبره. لكن فيم يفكر يا ترى؟ هل ساءه أن تدفعه طيبته إلى الزواج من مثلها؟ - لست شريرة بالدرجة التي يظنها الناس، أما هم فقد أحبوني واحتقروني لشيء واحد.
فقال مواسيا: أعرف ذلك، ما أكثر الأخطاء بحارتنا!
فقالت بحنق: يفاخرون دائما بأنهم من صلب أدهم، وفي الوقت نفسه يباهون بالكبائر!
فقال في يقين: ما دام التخلص من العفاريت ميسورا فما أقربنا من السعادة!
ولم تدرك مرماه ولكنها استشعرت فجأة مدى السخرية التي تحيط بها في مجلسها، فقالت ضاحكة: ما أعجبه من حديث في ليلة الزفاف !
ورفعت رأسها في شيء من الكبرياء، فبدا أنها تناست حال الامتنان، وأزاحت عن منكبيها الوشاح، ونظرت نحوه نظرة مفعمة بالدلال، فقال برجاء: ستكونين أول من يسعد في حارتنا.
فقالت ياسمينة: حقا؟! عندي شراب! - شربت قليلا مع العشاء، وفيه الكفاية.
Неизвестная страница