592

أما إلى الأول فبقوله: من خصوله من خصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود، فإن مفهومه أن جعل الدجى بين النجوم. وأما إلى الثاني فبقوله بالسنن بين الابتداع، وأشار إلى ترجيح الثاني بإيراد تفصيله وتوضيحه دون الأول، وكان وجه الترجيح أن التأويل دار بين المتقدم والمتأخر ترجيح المتأخر، # ويكون أحرى به؛ لئلا يكون كالعمل قبل الحاجة، وكنزع الخف قبل الوصول إلى الماء، لكن لا يخفى أن الأول أنسب بالمقام وأبلغ، كيف؟ وفيه بيان كثرة النجوم وغلبتها على ظلام الليل كغلبة السنن في الإسلام على البدعة، والنكتة في القلب حينئذ الإشارة إلى أن الواقع كون الدجى ظرفا للنجوم، والقول بكون الدجى بين النجوم كما هو المقصود في هذا المقام بقرينة المشبه به قول تخييلي؛ لأنه كذلك تخييل في المرأى لغلبة النجوم على الدجى كما أن قلب سنن بين الابتداع للإشارة إلى أن السنن هي الأصل الذي حدث فيها البدعة، واللائق بأن يجعل ظرفا للبدعة دون العكس، وإن دعت الحاجة إليه.

وقال الشارح: هو للإشارة إلى كثرة السنن، حتى كانت البدعة هي التي تلمع بينها (فإن وجه الشبه فيه) أي: في هذا التشبيه (هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض، في جوانب شيء مظلم أسود) هي الظلمات، ولا يخفى أن جعل الظلمة وإن كان لها وجه من أنها مظلمة بذاتها كما أن الضوء مضيء بذاته، لكن جعلها سوداء وقابلته اللون مما لا يوجد له مساغ، فلا يكون تلك الهيئة في المشبه أيضا إلا تخييلا، ولا يكون تحقيقا كما يلوح من قوله: (وهي غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل) إلا أن يقال لإيراده بالتحقيق ما ثبت في الواقع، ولا ينمحي بالتدقيق، وإنما هو ما يكون في المرأى، ولا يحوج إلى تكلف أو خيال للنفس، فإنه كالرؤيا ولا يخفى أنه يرى بين النجوم أمور مظلمة سود تؤول عند التحقيق بالتدقيق إلى ظلمات صرفة، وهو منشأ قوله بين دجاه دون أن يقول بين أمور مظلمة سود.

Страница 143