33

Обнародованные тайны

أسرار معلنة

Жанры

رائحة الخيول تفوح من المدينة. وبينما أسدل الليل أستاره، كانت الخيول الضخمة المعصوبة العينين بحوافرها المزدانة بالريش، تجر المزالق عبر الجسر ومن أمام الفندق إلى ما وراء أعمدة الإنارة حيث الطرق الجانبية المظلمة. وفي مكان ما في المدينة، سيتلاشى صوت أجراس الواحد منها في أجراس الآخر.

حياة حقيقية

دخل رجل حياة دوري بيك ووقع في حبها، على الأقل كانت لديه رغبة في الزواج منها، وكانت رغبته حقيقية.

قالت ميليسينت: «لو كان أخوها على قيد الحياة، لما كانت بحاجة إلى الزواج.» ما الذي كانت تعنيه؟ ليس شيئا مخزيا. وهي لم تكن تلمح إلى المال أيضا؛ كانت تعني أن الحب موجود، وأن الحنان يفضي إلى الراحة، وفي الحياة البائسة العقيمة نوعا ما التي عاشتها دوري وألبرت معا، لم تكن الوحدة خطرا يتهددهما. ميليسينت التي كانت واسعة الحيلة وعملية في بعض النواحي، كانت أيضا عاطفية جدا في نواح أخرى، فقد كانت تؤمن دوما بعذوبة المودة التي تحل محل العلاقة الحميمة.

ظنت أن الطريقة التي كانت تستخدم بها دوري الشوكة والسكين هي التي أسرت لب زوجها. كانت نفس طريقة استخدامه لهما. أمسكت دوري الشوكة بيدها اليسرى، واستخدمت اليمنى فقط لقطع الطعام، ولم تكن تنقل الشوكة باستمرار إلى يدها اليمنى لتلتقط بها الطعام؛ ذلك لأنها التحقت في شبابها بكلية «ويتبي ليديز»، قبل أن يتدهور الوضع المالي لعائلة بيك. ومن بين الأمور التي تعلمتها هناك أيضا الكتابة بخط يدوي بديع، ولعل جمال خطها كان عاملا مساعدا أيضا؛ لأنه بعد اللقاء الأول لهما، بدا أن التودد بينهما أصبح بالمراسلة. راق لميليسينت وقع اسم كلية «ويتبي ليديز»، وكانت تخطط - دون أن تشرك أحدا في خطتها - لأن تلحق ابنتها بها يوما ما.

لم تكن ميليسينت نفسها أمية؛ فقد عملت في مجال التدريس بإحدى المدارس، وسبق أن رفضت تودد صديقين جادين لها؛ الأول لأنها لم تكن تطيق والدته، وأما الثاني فلأنه حاول أن يزج بلسانه في فمها - قبل أن توافق على الزواج من بورتر الذي كان يكبرها بتسعة عشر عاما. كان يملك ثلاث مزارع، ووعدها بأن يقيم لها حماما في غضون عام، إضافة إلى غرفة طعام ضخمة ورحبة وأريكة ومقاعد، وليلة زفافهما قال لها: «عليك الآن أن تتقبلي ما يخبئه لك القدر!» لكنها كانت تعلم أن نيته لم تكن سيئة. كان ذلك عام 1933.

سرعان ما أنجبت ثلاثة أطفال، وبعد الطفل الثالث، أصيبت ببعض المتاعب. كان بورتر محترما، وبعد المتاعب التي عانتها عادة ما كان يتركها بمفردها.

كان بيت بيك مشيدا على أرض آل بورتر، لكن بورتر لم يكن هو الذي اشترى حصة آل بيك، اشترى بورتر بيت ألبرت ودوري من الرجل الذي اشتراه منهما؛ ولذا، فقد كانا فعليا يستأجران بيتهما القديم من بورتر، لكن المال لم يكن في المشهد. عندما كان ألبرت على قيد الحياة، كان يحضر ويعمل ليوم واحد كلما تطلب الأمر الاضطلاع ببعض الأعمال الضرورية - عندما كانوا يصبون الأرضية الخرسانية في الحظيرة، أو يضعون القش في مخزن التبن. كانت دوري تزورهم في تلك المناسبات، وكذلك عندما رزقت ميليسينت بطفل جديد، أو عندما كانت تضطلع بتنظيف البيت. كانت تتمتع بقوة خارقة تعينها على جر الأثاث في أنحاء المكان، وكان بمقدورها أن تضطلع بمهام الرجال كتركيب النوافذ المقاومة للعواصف. عندما كانت تشرع في إحدى المهام الشاقة التي تضطلع بها - كنزع ورق الحائط عن جدران غرفة كاملة - كانت ترخي كتفيها للوراء وتأخذ نفسا عميقا في سعادة غامرة. كانت قوة الإرادة عنوانها، فهي امرأة ضخمة البنية، قوية البنيان، ضخمة الساقين، كستنائية الشعر، عريضة الوجه، ولو أن وجهها لم يخل من بقع داكنة مخملية الملمس. ثمة رجل في الجوار سمى فرسه على اسمها.

على الرغم من المتعة التي كانت تجدها دوري في تنظيف المنزل، لم تكن تمارس أغلب تلك الأعمال في بيتها؛ فقد كان البيت الذي عاشت فيه هي وألبرت - البيت الذي تعيش فيه وحدها بعد وفاته - كبيرا ومجهزا تجهيزا رائعا، لكنه خلا تقريبا من الأثاث. كثيرا ما كان الأثاث يأتي على لسان دوري - البوفيه المصنوع من البلوط، وخزانة أمها، والفراش ذو القوائم الأسطوانية - ولكن كان يتبع ذلك دوما عبارة: «الذي بيع في المزاد.» بدا المزاد كارثة طبيعية، شأنه شأن الفيضان والعاصفة مجتمعين، لا طائل من الشكوى منها. لم يبق بساط واحد، وبيعت كل الصور؛ لم يبق سوى روزنامة من بقالة نان، وهي المكان الذي كان ألبرت يعمل فيه. ومما أفقد الغرف ما يميزها وجعل فكرة تنظيفها عبثية؛ غياب هذه الأغراض، وحضور غيرها كمصائد دوري ومسدساتها والألواح التي استخدمت لسلخ الأرانب وفئران المسك. ذات مرة صيفا، وقعت عينا ميليسينت على روث كلب أعلى الدرج، لم تره عندما كان رطبا، لكنه كان رطبا بما يكفي ليمثل نوعا من الإساءة. تغير لونه من البني إلى الرمادي بفعل حرارة الصيف، وصار مهيبا ومتحجرا وثابتا، ومن الغريب أن ميليسينت نفسها لم تعد تعترض على وجوده، وأصبحت تنظر إليه من منطلق كونه شيئا له حق في البقاء في المكان.

دليلة هي الكلبة صاحبة الروث. كانت سوداء وفي جيناتها جينات سلالة اللبرادور، وكانت تروق لها مطاردة السيارات، الأمر الذي كان من الممكن أن يقضي عليها في نهاية المطاف. بعد وفاة ألبرت، ربما أصيبت هي ودوري على حد سواء باضطراب عقلي طفيف، لكن هذا الاضطراب لم يكن يتجلى للآخرين على الفور. في البداية، لم تعد تترقب عودة زوجها، ومن ثم لم يكن ثمة موعد محدد للعشاء، ولم تعد ثمة ملابس رجالية تحتاج إلى غسلها، مما أغناها عن فكرة الغسيل بانتظام. ولم يعد ثمة من تتبادل معه أطراف الحديث، فما كان من دوري إلا أن أكثرت من الحديث إلى ميليسينت، أو إلى ميليسينت وبورتر معا. تكلمت عن ألبرت وعمله؛ وهو قيادة عربة بقالة نان - التي أمست فيما بعد شاحنتهما - في شتى أرجاء الريف. ارتاد ألبرت الجامعة، ولم يكن أحمق، لكن بعد عودته من الحرب، لم يكن على ما يرام، فخطر له أنه من الأفضل أن يعمل خارج البيت، فشغل وظيفة سائق شاحنة نان، واحتفظ بها إلى أن وافته المنية. كان رجلا اجتماعيا على نحو مدهش، وتجاوز عمله توصيل البقالة فحسب؛ فكان يؤمن للناس توصيلة إلى المدينة، ويقل المرضى العائدين إلى بيوتهم من المستشفى. كانت هناك امرأة مجنونة في طريقه، وذات مرة عندما أخرج بقالتها من شاحنته، شعر بأنه مضطر إلى مغادرة المكان. لكن ها هي تقف وفي يدها فأس وعلى وشك أن تطيح برأسه. الواقع أنها شرعت في توجيه ضربتها إليه، ولما تفاداها لم يسعها سوى أن تكمل مسارها، فأخذت تقطع صندوق البقالة، وسكبت رطلا من الزبد. ظل يوصل لها البقالة، حيث لم يرد أن يبلغ عنها السلطات التي كانت ستودعها مستشفى الأمراض العقلية. لم تعد الكرة، بل أعطته كعكات محلاة ببذور مشبوهة ألقاها على الحشائش في نهاية الطريق. وهناك نسوة أخريات - أكثر من واحدة - ظهرن له عاريات؛ خرجت إحداهن من حوض استحمام في منتصف أرضية المطبخ، فانحنى ألبرت ووضع البقالة عند قدميها. سألته دوري: «ألا يذهلك تصرف البعض؟» وأخذت تقص قصة الأعزب الذي شنت الجرذان هجوما على بيته، لدرجة أنه اضطر إلى حفظ طعامه معلقا في كيس تدلى من القضبان الخشبية في سقف المطبخ. لكن الجرذان تسلقت القضبان الخشبية، وقفزت على الكيس ومزقته، وأخيرا لم يسعه إلا أن يصحب طعامه معه إلى الفراش.

Неизвестная страница