وعاد بخيت بعد قليل يعود فدوى، فإذا بها على السرير كأنها نائمة، فجعل يلهي نفسه بتقليب أوراق كان نسيها سيده على المائدة، فوقع نظره على ورقة مكتوبة بيد شفيق، فإذا هي الورقة
ببقائه حيا، فأخذ يرقص طربا كأنه أصيب بجنة، ولكنه خاف على سيدته من صدمة الفرح الشديد، فسكن عواطفه وتقدم نحوها، فأفاقت ونظرت إليه، فإذا في وجهه أمارات البشر، فنهضت حالا وسألته عن سبب انبساط وجهه، وكانت لا تستطيع التكلم من شدة الضعف، ولكن أمارات وجه بخيت جعلتها تنتعش، فألحت عليه أن يخبرها بما عنده.
فأخذ يمهد لها الخبر لئلا يضر بها بغتة، فقال: ليس عندي إلا الخير، وأما أنت يا سيدتي فاتكلي على الله وهو يمنحك كل ما تريدين.
قالت: قد اتكلت عليه وأنت تعلم ذلك، غير أني أرى مماتي أقل شقاء لي من حياتي؛ ولذلك قد فضلت الممات.
قال: وهل تحققت يقينا أن سيدي شفيق غير حي؟ قالت: إن ما علمناه يقرب من اليقين.
قال: كلا، يا سيدتي، بل الأرجح بقاؤه في قيد الحياة.
فانتفضت فدوى عند سماعها ذلك وقالت: ما تقول يا بخيت؟ هل سمعت شيئا جديدا بهذا الشأن؟
قال: هبي أني لم أسمع شيئا، فإن قرائن الأحوال تدلك على ذلك.
قالت: وأي قرائن؟ فإني لا أرى قرينة واحدة.
قال: أول القرائن أنكما تحبان أحدكما الآخر محبة عظيمة، وقد وقعتما في ضيق وخطر مرارا وأنقذكما الله، فذلك دليل على أنه سبحانه وتعالى يريد بقاءكما؛ لتتمتعا ببقية حياتكما بالرغد، والقرينة الثانية أننا لم نسمع خبرا صريحا بقتله أو موته، وكل ما لدينا من الأخبار سلبي، وأما القرينة الثالثة ... وسكت والورقة في يده لم ترها فدوى.
Неизвестная страница