مقالات موقع الدرر السنية
مقالات موقع الدرر السنية
Издатель
موقع الدرر السنية dorar.net
فمثل هذين الحالين -وإن كانا ليسا شائعين بحمد الله- يحسن فيهما بيان أهمية الدنيا لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام، أما تحويل الخطاب الديني كله إلى شحن قلوب الناس والشباب المسلم بتعظيم الدنيا والمغالاة في قيمة المدنية المادية وإقرار كونها المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات فهذا انحراف مصادم للمنهج القرآني والتزكية النبوية وهدي القرون المفضلة.
ومما يؤكد ما سبق أنه حين جاءت الجزية من البحرين صلى بعض الصحابة مع النبي ﷺ متعرضين له، علّه أن يصيبهم من المال، فأعاد النبي درس الدنيا/الآخرة فكما روى البخاري في الصحيح عن عمرو بن عوف الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ، فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم).
وهذا المعنى وهو أن النبي ﷺ لم يكن يخشى الفقر على أمته، بل كان يخشى عليهم المنافسة في شؤون الدنيا، أعاده عليهم بحروفه، وذلك حين صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كما روى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر قال: (صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ.
بل كان النبي ﷺ كثيرًا ما يقارن بين قيمة الدنيا وقيمة الآخرة، فكما قارن بين مناديل سعد في الجنة والدنيا، فإنه قال كما روى البخاري عن أنس عن النبي ﷺ: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة، أو موضع قيد يعني سوطه، خير من الدنيا وما فيها).
وقد كان ﷺ يربي أصحابه على أن الرفاه التام إنما هو في الآخرة، وأن الكفار هم الذين يتتبعون ألوان الرفاه في الدنيا كما نبههم على ذلك حين حرَّم الحرير وآنية الذهب فقال لهم: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) خرجاه من حديث حذيفة.
بل تأمل في صورة الدنيا كلها كيف ضرب لها النبي صلى عليه وسلم مثلًا فريدًا فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
وضرب لها مثلًا آخر فقال ﷺ: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء).
3 / 238