464

حقيقة القلب والمصطلحات المختلفة فيه ، ومراتب القلوب ودرجاتها ، خارج عن وظيفة هذا الكتاب ، وغير ناجع لنا كثيرا أيضا . فالأحسن أن نقتصر أيضا على ذلك الغموض الموجود في الروايات الشريفة ، المشتملة على ذكر القلب ونتجاوزه ، كما فعلته تلك الروايات . ونذكر ما هو هام لنا ولازم .

لا بد من معرفة أن السعي في سبيل إصلاح القلب الذي يكون في صلاحه أو فساده أساس السعادة والشقاء ، أهم من البحث عن حقيقة القلب وعن المصطلحات الرائجة فيه (1) ، بل قد يسبب الانشداد إلى المصطلحات الواردة في القلب ، والابحاث المذكورة من حوله ، والغور فيها ، الغفلة عن القلب نهائيا والتأخر في إصلاحه ، وإنه قد يصير أستاذا في شرح حقيقة القلب وماهيته والمصطلحات المذكورة من قبل الحكماء والعرفاء في القلب ، ولكن قلبه والعياذ بالله سيكون مقلوبا ومنكوسا . مثل الإنسان الذي يعرف خصائص الأدوية وآثارها الضارة أو النافعة ، ويشرح كل واحد من ذلك بصورة جيدة ، ولكنه لا يكون على حذر من الأدوية الضارة ، ولا ينتفع من الأدوية المجدية ، فمن المسلم أن مصير إنسان كهذا رغم إلمامه الواسع بالادوية ، الهلاك ، ولن ينقذه علمه أبدا .

إننا ذكرنا سابقا بأن العلوم بأسرها تكون للعمل ، حتى علوم المعارف الإلهية حيث لها انعكاسات علمية أيضا . ونقول هنا بأن علم أحوال القلوب وكيفية صحتها ومرضها وصلاحها وفسادها ، من العلوم التي تعد مقدمة للعمل ، وأداة لعلاج القلب وإصلاحه . وأما الإحاطة بهذه الأمور واستيعابها لا يعتبر من الكمالات الإنسانية .

إذن لا بد للإنسان أن يركز انتباهه على إصلاح القلب ، ويجعل مبتغاه ، إكماله حتى ينال منتهى السعادة الروحانية ، والمراتب العالية الغيبية . وإذا ما كان هو أيضا من أصحاب العلوم والدقائق والحقائق لكان همه الوحيد في غضون سيره في الآفاق والأنفس تحسين حالاته النفسية ، فلو كانت من المهلكات لأصلحها ، ولو كانت من المنجيات لبذل الجهد في سبيل تكميلها .

فصل: في بيان مصدر اقسام القلوب ومراتبها

إعلم أن التقسيم المذكور في الحديث الشريف للقلوب ، تقسيم كلي ومجمل ، وإن الاربعون حديثا :469

Страница 468