Критические взгляды на проблемы мысли и культуры
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
Жанры
وبهذا المعنى يمكن القول إن كتاب «المتمرد» بأسره إنما هو رد فعل على النظريات «الشمولية» في الأيديولوجيات المعاصرة؛ فمن السهل على الإنسان في عصرنا هذا أن يكون متطرفا، وأن ينحاز بكل عنف إلى طرف معين ويعادي الأطراف الأخرى، ويحاربها بكل ما يملك من قوة، ولكن أصعب الأمور هي أن يكون المرء معتدلا، وأن يعيش داخل حدود تفرضها إرادته، ويعرف هذه الحدود عن وعي يلتزمها على الدوام، وكما احتج المفكر الدنمركي «سورين كيركجورد» على شمولية المذهب العقلي عند معاصره الألماني هيجل، فإن كامي يعبر في كتابه هذا عن احتجاج مماثل على الأيديولوجيات الموروثة عن هيجل، والتي تأثرت بالفيلسوف الألماني الكبير في نظرته الشمولية إلى العالم؛ ذلك لأن الغاية القصوى لهذه الأيديولوجيات هي تحويل روح التمرد الأصيلة في الإنسان إلى ثورة سياسية لا تعرف حدودا إلا ما تقتضيه حركة التاريخ، وفي سبيل ذلك يستحيل كل شيء، وتستباح «الجريمة» التي أصبحت الطابع المميز للسياسة المعاصرة.
ومن المؤكد أن روح «الاعتدال» التي يدعو إليها كامي، لو كانت ممكنة في عصرنا الحالي، لكانت بالفعل شيئا يستحق الإعجاب، غير أن التجارب العملية للثورات الحديثة أثبتت أن هذا «الاعتدال» مستحيل التحقيق في كثير من الأحيان، فماذا يفعل الثائر حين يجد خصوم الثورة يسلكون مسلك الوحوش الضارية في التنكيل بالأحرار، وفي الدفاع عن مصالحهم الأنانية، والوقوف في وجه كل اتجاه إلى التحرر؟ وماذا يفعل الثائر حين توصد أمامه كل أبواب الاعتدال؟ من المؤكد أن الجزء الأكبر من التطرف الذي يعيبه كامي على الثورات الحديثة إنما يرجع إلى طبيعة المقاومة التي تواجهها هذه الثورات، لا إلى انحراف في الثورات ذاتها، وغالبا ما يكون التجاء الثائر إلى العنف أمرا تمليه عليه طبيعة الخصم الذي يواجهه، ويفرضه عليه هذا الخصم رغما عنه، أما الثائر نفسه فهو - في معظم الأحيان - ذو نفس مفعمة بحب الإنسانية، ولو وجد سبيلا يتسم بالاعتدال لتحقيق أهدافه النبيلة لما تردد لحظة واحدة في أن يسلكه. فالعنف إذن صفة طارئة عليه، تفرضها عليه المقاومة التي يلقاها، وشراسة الخصوم أنفسهم، وفداحة الظلم الذي يتعين عليه أن يحاربه، وعلى أية حال فمهما اتصفت به تصرفات الثائر من قسوة، فلن تكون قسوته هذه شيئا مذكورا بالقياس إلى فظاعة الأوضاع التي يثور عليها.
وبالاختصار فإن التجاء الثائر إلى العنف إنما هو التجاء إلى أسلوب فرض عليه فرضا، وهو في قرارة نفسه يؤثر الاعتدال ويميل إليه، ولكنه لو ظل يتخذه سبيلا إلى تحقيق أهدافه، في مواجهة خصوم خلت نفوسهم من كل روح إنسانية، لكان في ذلك مقصرا في خدمة الرسالة التي آلى على نفسه أن يحققها، ولما استطاع أن يحقق شيئا من مبادئ ثورته وتمرده الأصيل.
«الحلم والواقع» لبرديايف1
قد يكون في وسع التفسيرات الاجتماعية أن تعلل ظهور مذهب فلسفي كالوجودية من حيث هو ظاهرة فكرية عامة تتمثل في عصر معين، ولكن هذه التفسيرات تعجز قطعا عن أن تعلل سبب إيمان هذا الشخص أو ذاك بالمذهب الوجودي؛ فتحمس شخص معين - دون غيره - للمذهب الوجودي هو أمر لا يعلله إلا التكوين الفردي لهذا الشخص، والظروف الفردية التي مر بها في حياته، ومن المؤكد أن مؤلف هذا الكتاب - وهو الفيلسوف الروسي نيكولاي برديايف - هو شخص توافرت له جميع الصفات التي تحتم على المرء - إن كان مفكرا - أن يسير في الطريق الوجودي، والأهم من ذلك أنه يشعر شعورا تاما بوجود هذه الصفات فيه، ويحللها ويعرضها بطريقة دقيقة في كتابه هذا الذي هو ترجمة ذاتية لحياته، وتحليل فكري وفلسفي ونفساني عميق لذاته في نفس الوقت.
فالنزعة الفردية - التي هي من أهم خصائص التفكير الوجودي - تتمثل في برديايف منذ اللحظة الأولى لحياته؛ إذ إنه أرستقراطي النشأة، عرف أفراد كثيرون من أسرته حياة الرهبنة، ويصف هو نفسه نزوعه إلى الفردية وصفا دقيقا، حتى لقد اعترف بأنه يكره التشابه العائلي ويكاد يراه أمرا مشينا (ص14)، وهو اعتراف غريب يكشف لنا عن نفسية بلغ من كراهيتها لأي عنصر مشترك بين الناس أنها تأنف من أن يكون الشخص شبيها بأخيه أو أبيه!
ولكن ربما كان الأغرب من ذلك قول برديايف أنه شعر منذ اللحظة الأولى لولادته بأنه نزل عالما غريبا عنه، وأحس بالتصدع في موقفه من العالم والحياة، وخاض معاركه مع العالم «لا بوصفي إنسانا يريد أو يستطيع أن يغزو هذا العالم ويخضعه لنفسه، بل باعتباري شخصا يريد أن يحرر نفسه من هذا العالم، ويرفض تسلط هذا العالم على حياة الناس» (ص22). وبعبارة أخرى فأنت تشعر منذ اللحظة الأولى أن نزعة برديايف الفردية تصل إلى حد أنه يتمنى ألا يكون إنسانا يعيش في عالم الناس، وإنما كان يود لو كان مخلوقا ملائكيا أو شيئا آخر غير البشر، وليس هذا الذي نقوله مبالغة، وإنما هو أمر يطالعك مرارا على صفحات الكتاب؛ فهو ينفر من الجسد الإنساني ويقول: «وأنا أتمتع بجسد قوي حسن البناء، ولكن أشعر بنفور من وظائفه الفسيولوجية» (ص33). ويقول أيضا: «إن احتياجات الجسد لم تبد لي ذات أهمية على الإطلاق» (ص35). وهو يصف الجنس بأنه «غير صحي وغير نقي»، وكذلك بأنه «دليل على الوضع الساقط للإنسان» (ص75). ويلخص موقفه في هذه المسألة كلها بقوله: «لم أشعر إطلاقا بأنني جزء من العالم الموضوعي، أو بأنني أحتل فيه مكانا محددا أو مركزا معينا» (ص43). وهذا هو موضع الغرابة في هذا النوع من الكتاب، وهو أيضا موضع الطرافة في قراءة مؤلفاتهم؛ ذلك لأن من صفات الإنسان الحق أنه يود أن يعلو على إنسانيته، غير أن الشخص السوي يفعل ذلك من خلال إنسانيته ذاتها، أعني أنه يتجاوز الإنسان بقدرات الإنسان ذاتها، أما الشواذ من ذوي النزعات الفردية فإنهم يرفضون الوضع الإنساني بأكمله، ويتمنون لو كانوا شيئا أعلى من الإنسان، ولما كانت وظيفة كل فلسفة وكل نشاط روحي بوجه عام، هي أن تحلل مشكلات الإنسان ذاته، بكل جوانبه المادية والروحية، الجسدية والعقلية، وتحاول الإتيان بحلول تلائم الإنسان في وضعه الحالي؛ فإنا نستطيع أن ندرك إلى أي حد تبتعد الفلسفات الفردية المتطرفة عن الهدف الصحيح للفلسفة ذاتها، ومع ذلك فإن هذا الابتعاد ذاته من أسباب طرافة هذه الطريقة في التفكير؛ فهي تمثل تجربة غير مألوفة يستمتع الإنسان بالاطلاع عليها حتى لو لم يكن يقبل كل ما فيها من مضمون فكري.
ويطبق برديايف موقفه العام - وأعني به «رفض العالم» - على مختلف المجالات التي يندمج فيها؛ فهو أولا متباعد عن الحياة: «كنت أشعر دائما بأنني على مسافة مما يدعونه عادة بالحياة، والحق أنني أبغض تلك الحياة المزعومة بغضا إيجابيا» (ص33). وهو ثانيا متباعد عن الناس نفور منهم: «ولقد قطعت صلتي دائما بكل جماعة انتميت إليها، ولم أستطع قط التكيف مع أي تجمع، كما لم أتمكن إطلاقا من مجاراة التيار السائد حولي، أو الخضوع لأي إنسان أو لأي شيء» (ص26). وعندما اندمج - رغما عنه - في تلك التيارات الاجتماعية العاصفة التي اجتاحت روسيا في الربع الأول من القرن العشرين، تصارع في نفسه من المتناقضات ما جعل من المستحيل عليه أن يندمج في أية جماعة أو أي مذهب؛ فهو أولا أرستقراطي يعتز بأرستقراطيته «ولا مناص من الاعتراف ... بأن طريقة الحياة الوحيدة التي خلقت لها هي حياة الجنتلمان الروسي الريفي، فما زلت - بمعنى من المعاني - أعتز بهذه الحياة وأشعر بالحنين إليها حتى اليوم» (ص27). ولكن لديه من جهة أخرى ميولا اشتراكية حتمتها طبيعة العصر الذي عاش فيه، ولم يستطع برديايف أن يتغلب قط على هذا التعارض بين النزعات المحافظة والارتباطات الإقطاعية، وبين الميول التقدمية الاشتراكية في تفكيره. وفي هذا التعارض نمت شخصيته، وإليه ترجع مأساة حياته.
فهو من جهة عدو للثورة الشيوعية التي نفته من بلاده، ولكنه من جهة أخرى لا يعطف على النظام القديم، ويؤمن بأن ذلك النظام كان يجب أن يزول، وهو أثناء إقامته في ظل النظام الشيوعي، يهاجم الشيوعية بعنف في سبيل الدين، أو في سبيل حرية الروح بوجه عام: «فإذا كنت أعارض الشيوعية، فما ذلك إلا على أساس حرية الروح، لا لأنني أرغب في الإبقاء على هذا النظام الاجتماعي أو السياسي أو ذاك» (ص234). ومع ذلك فإن هذا الذي طرد من روسيا السوفييتية بسبب ميوله الدينية التي كان يدعو إليها علنا في كل اجتماع يقصده، لم يشعر بالراحة في الاجتماعات التي كانت تقيمها الطوائف الدينية في المنفى (ص255). وبالمثل فإنه رغم كونه قد نفي لميوله اليمينية في السياسة، يتحدى شعور المهاجرين أو المنفيين اليمينيين بآرائه اليسارية، ويقف منها موقفا مضادا معاندا، فيقول إن «الموقف الذي اتخذته الغالبية العظمى من المهاجرين يجعل الاتجاه نحو اليسار بالنسبة إليها لا يزيد عن كونه مجرد احترام أولي للذات» (ص270).
وهذه الفقرة الأخيرة تكشف عن صفة أساسية في شخصيته، هي المخالفة لأجل المخالفة؛ فهو مع الماديين متدين، ومع المتدينين مخالف للدين، وهو بالنسبة إلى عائلته المحافظة الرجعية ثائر سياسي، وبالنسبة إلى الثوار محافظ رجعي، والذي يحدث عادة هو أن النقاد يصفون هذا النمط من الناس بأنه لا يريد أن يكون في هذا الجانب أو ذاك، وإنما يريد أن يكون نفسه فحسب، ومع ذلك فالأمر يصل ببرديايف إلى حد ألا يكون نفسه أيضا؛ فهو في كل أوصافه لذاته يبدي عدم الرضا عن نفسه، ولا يفخر بشيء من خصاله، وكتبه كلها لا تعجبه فيؤكد «أن شيئا منها لا يرضيني في نهاية الأمر»؛ فهو إذن شخص نافر حتى من نفسه، ولعل هذا ما يفسر قوله إن ميوله الحقيقية تتجه نحو الفوضوية (ص307)، وتأكيده قرب نهاية الكتاب أنه يجد نفسه «ممزقا»، ولا يرى حلا قاطعا حاسما (ص312).
Неизвестная страница