188

ولم يكن في الحجرة شيء سبقته إلى سكن هذا البيت منذ سكنته قبل زهاء عشرين سنة، فكل ما فيها قد دخل البيت يوم دخلته، وبقي هناك كما بقيت ... إلا بعض الصور، والمذياع! ...

ففيها صورة للقصر المعروف باسم «أنس الوجود» من صنع الفنان التركي القدير الأستاذ هدايت، تلمح من نظرة واحدة إليها غرابة الجو المصري، والألوان المصرية الوضاءة على آثارنا الخالدة كما تبدو في عيني الفنان الغريب عن الديار. •••

وفيها صورة لي من صنع الأستاذ «أحمد صبري» وهو من أساطين فن التصوير في هذا البلد، وله ريشة ثابتة وألوان صحيحة وطريقة مأثورة عن عباقرة المدرسين الأقدمين، لا تستهويه البدع المستحدثة، ولا يروقه من ملامح الوجوه إلا ما ينم على جد واهتمام.

وفيها صورة لشاطئ الزمالك من صنع المصور الموهوب الأستاذ شعبان زكي، وهو فنان ينظر ويحلم، ويسبغ من أحلامه كثيرا على المناظر الطبيعية، أو الحوادث التاريخية التي يسجلها، ومن آثاره التي تتجلى فيها أحلام التصوير والأدب صورة امرئ القيس والعذارى، وهو مرابط لهن على حافة الغدير.

وهناك تمثال نصفي أهداه إلي بعض الهواة ممن يشتغلون بغير النحت، ولا يظهرون آثارهم الفنية.

أما المذياع فلم يكن قد ذاع يوم سكنت هذه الدار، ولم أكن أرى منه في مصر الجديدة إلا أدوات عاجلة يركبها بعض الكهربائيين على أيديهم، وتسمع أو لا تسمع كالمركب الشراعي الذي يسير أو لا يسير «على حسب التسهيل».

قال صاحبي: إن نقل الصوت من المكان البعيد معجزة كافية، فكيف إذا أضيفت إلى هذه المعجزة معجزة النقل من زمان بعيد؟! إنهم يزعمون ذلك في الإمكان، ويقولون إن استخلاص أصوات الأقدمين كما نطقوا بها في حياتهم ليس بالمستحيل؛ لأنها محفوظة في بعض طبقات الجو البعيد، لا يؤثر عليها الاختلاط إلا كما يؤثر الاختلاط على أصوات المحدثين ...

قلت: لو كان لي لسانان لقال أحدهما: مرحى! ... وقال الآخر في الوقت نفسه: أعوذ بالله! •••

إننا نحب أن نسمع الأنبياء وهم يخطبون، والأبطال وهم يناضلون، والشعراء وهم ينشدون، وأصحاب الأغاني وهم يترنمون ... ولكن من من هؤلاء الأبطال يرضى أن تسمعه وهو في خاصة وقته بين أهله أو ندمائه! ... ومن من الناس في عصرنا يحب أن تنقل عنه كل كلمة قالها، وكل سر همس به، وكل آهة من آهات الضعف فارقت شفتيه؟! إن الاستعاذة بالله هنا تحتاج إلى مائة لسان إذا كان الترحيب يكفيه لسان واحد، فليكن «وعيد» العلماء إذن من المستحيل، وإلا أصابهم منه ما يصيبون به الآمنين في القبور ...

Неизвестная страница