قال: «وما ذاك؟» قال: «إن أهلك في بغداد لما علموا أنك بايعتني بعدك نقموا عليك أشياء وقالوا عنك إنك مسحور مجنون، وبايعوا إبراهيم ابن عمك المهدي مكانك وخلعوا بيعتك لاعتقادهم أنها ستئول بعدك لي.»
فاستغرب المأمون ذلك لأنه لم يكن بلغه فقال: «لم يبلغني شيء من ذلك.»
قال: «لأن وزيرك الفضل يتناول أخبار البريد ويخفيها عليك رغبة في منافعه.» فشكر المأمون لعلي حرية ضميره وقال: «أذكر أن الفضل قال لي إن أهل بغداد أقاموا إبراهيم بن المهدي أميرا عليهم لا خليفة.»
قال: «إن الفضل قد كذبك. والخلاف قائم الآن بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم، والناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل، ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك.» فقال المأمون: «ومن يعلم هذا؟»
فسمى له رجالا اطلعوا على ذلك فاستقدمهم المأمون، وسألهم بعد أن أعطاهم الأمان من الفضل وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن أهل بغداد قد سموه الخليفة السني، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي منه. فلما سمع المأمون ذلك أثنى على علي وصرفه، ولما خلا بنفسه أخذ يفكر في أمره فصمم على قتل الفضل، ولكنه خاف من بقاء علي الرضا وليا للعهد، وأنه إذا لم يقتل ظل موقفه حرجا.
وبلغ سلمان ما كان من علي وما قصه على المأمون، فعلم أن التمرة قد نضجت، فدخل على المأمون في خلوة فلمح له المأمون تلميحا فهم مراده منه، وانصرف يعد المكائد ويغتنم الفرص.
وسافر المأمون إلى بغداد سنة 202ه، فلما وصل إلى سرخس وثب قوم على الفضل في الحمام فقتلوه، وكان ذلك بمساعي سلمان، فحاكم المأمون الذين وثبوا عليه وقتلهم، وبعد أن وصل المأمون إلى بغداد بقليل شاع مقتل علي الرضا بأكلة عنب مسموم، وتحدث الناس أن المأمون دس له ذلك العنب، وإنما دسه سلمان.
فنجا المأمون بذلك وظلت الخلافة في أهله، ولكنه ظل خائفا من سلمان فدس إليه من قتله خوفا من انقلابه عليه، فمات جزاء غدره فصح فيه قول بهزاد: «إن الغادر تعود عليه عاقبة غدره.»
أما بهزاد فلم يعد يرى سلمان منذ افترقا يوم خروجهما من عند الفضل، ثم بلغه مقتل الفضل بن سهل وعلي الرضا فأسف لضياع مساعيه في نقل السلطة إلى الفرس، ولكنه تعزى بما وفق إليه من الانتقام لجده وحميه، وعاش مع عروسه في راحة والناس لا يعرفون أنه حفيد أبي مسلم وأنها ابنة جعفر البرمكي. ثم بحث عن سلمان فعلم أن المأمون قتله خوفا من غدره، فقال في نفسه: «ذلك جزاء الخيانة وعاقبة الغدر.»
أما المأمون، فبعد أن جاء بغداد تزوج ببوران بنت الحسن بن سهل ترضية لأبيها عما لحق بأخيه؛ فإن سبب قتله لم يخف عليه. ولزفاف بوران احتفال محفوظ في بطون التاريخ.
Неизвестная страница