وقد انتهى الأمر بالصبي إلى أن يسعى إلى المدرسة ويأخذ نفسه بنظامها في كثير جدا من المشقة والعناء، وما أسرع ما يتفوق على رفاقه السود ويمتاز منهم! وما أسرع ما يحب الدرس! ولكنه جائع عار وبائس يائس، فلا بد من أن يسعى على رزقه ورزق أمه، ولا بد مع ذلك من أن يمضي في درسه.
وهو من أجل ذلك يخدم البيض أول النهار وآخره، ويختلف إلى المدرسة فيما بين ذلك، وخدمته للبيض لا تستقيم؛ فهو لا يقبل الأوضاع المألوفة بينهم وبين السود، وهو يطرد مرة ويترك العمل من تلقاء نفسه مرة أخرى، وهو على ذلك يسعى على رزقه وتعليمه، ويشقى بهذا السعي حتى يتم المرحلة الأولى من مراحل التعليم.
والعادة أن المبرز من التلاميذ يلقي خطبة يوم توزيع الإجازات، وهو المبرز في سنته تلك، فسيكون إليه إذن إلقاء الخطبة، وهو يعد خطبته، ولكن ناظر المدرسة يدعوه ذات يوم ويدفع إليه خطبة أعدها هو ليلقيها كشأنه مع التلاميذ جميعا في كل عام، غير أن الغلام يرفض خطبة الناظر ويأبى إلا أن يلقي خطبته هو، والناظر دهش لهذا الإباء ثم ضيق به ثم ساخط عليه ثم منذر للغلام؛ لأنه معرض مستقبله للخطر إن أصر على هذا الإباء.
ورفاقه يلحون عليه في أن يفعل كما فعل المبرزون من قبله وكما سيفعل المبرزون من بعده، وأهله يلحون عليه كذلك، ولكنه يأبى ويستمسك بالإباء، ولا يعنيه أن يضيع مستقبله، ولا يعنيه أن يصرف عنه منصب التعليم في مدرسة من مدارس السود؛ فقد ألقى خطبته هو إذن لا خطبة الناظر، وظفر بشيء قليل من التصفيق وصافحه نفر قليل من رفاقه، ثم عاد إلى أهله وقد صرف عنه منصب التعليم، وليس له بد من أن يسعى على رزقه ومعونة أسرته، وهو مع ذلك طامع في أن يبلغ حظه من التعليم الجامعي، ولكن كيف السبيل إلى هذا التعليم؟
هو إذن مضطر إلى أن يستأنف خدمة البيض؛ فهو يتنقل من دار إلى دار ومن متجر إلى متجر، لا يتاح له الاستقرار إلا ريثما يفرض عليه القلق والاضطراب، حتى استيقن آخر الأمر أن لا مقام له في هذه البيئة التي يعيش فيها، وأنه مضطر إلى أن يتغرب ليحيا حياة ممكنة محتملة.
ولكن كيف السبيل إلى التغرب وليس له حظ من مال؟ فهو يعمل كثيرا ويكسب قليلا، وينفق على نفسه وعلى أسرته ما يكسب، ويجوع دائما، لا سبيل له إلى أن يغترب إلا إذا سرق، وهو يرد هذا الخاطر عن نفسه ردا عنيفا، ولكن هذا الخاطر يلح عليه إلحاحا عنيفا، ويزداد إلحاحه عليه كلما تعرض - وما أكثر ما كان يتعرض! - للإهانة والعسف يأتيانه من البيض.
وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يسرق: يختلس مسدسا من دار الجيران، ويختلس نقودا من دار السينما التي كان يعمل فيها، ثم يأخذ القطار ذات صباح أو ذات مساء فيخرج من هذه المدينة التي يعيش فيها الظلم والذل جميعا.
ويصل إلى مدينة ممفيس ومعه شيء من مال قد أخفاه في منطقته، وهو يريد أن يعمل في هذه المدينة حتى يجد من المال ما يمكنه من أن يدعو أمه وأخاه ليلحقا به، ثم يعمل بعد ذلك حتى يجمع من المال ما يمكنه من أن ينتقل معهما إلى شمال الولايات المتحدة حيث يستطيع السود أن يعيشوا دون أن يتعرضوا لما يتعرضون له في الجنوب من الذلة والهوان.
وقد أتيح له هذا العمل الذي كان يبتغيه، وأتيح له كسب ملائم، ولكنه يؤدي في سبيل ذلك العمل وهذا الكسب جهدا أي جهد، ويلقى في سبيلهما عناء أي عناء؛ فهو محتقر منذ يصبح إلى أن يمسي، وهو أقل شقاء بما يلقى من هذا الاحتقار منه بما يرى من اطمئنان أمثاله السود إلى هذا الاحتقار واتخاذه سبيلا إلى الكسب، ويتملقون البيض ويمكنونهم من المبالغة في إذلالهم ليكسبوا قليلا من المال.
وربما كان أشد ما أمضه وثقل عليه إسراف البيض في الاستهزاء بالسود، وإغراء بعضهم ببعض حتى يقتتلوا أو يصطرعوا أبشع الاصطراع وهم ينظرون إليهم، ويسخرون منهم ويلهون بهم، وقد تعرض هو لبعض ذلك؛ فما زال سادته الذين كان يعمل عندهم يخوفونه زميلا له أسود ويخوفون منه هذا الزميل ويغرون أحدهما بصاحبه، ولكنهما قاوما ما وسعتهما المقاومة ثم أذعنا آخر الأمر؛ لأن زميله قبل أن يلاكمه ويأخذ على ذلك أجرا خمسة دولارات.
Неизвестная страница