فأما الإجازة الكبرى، الإجازة التي يدل لفظها على معناها دلالة لا تتعرض لشك ولا غموض، فهي تلك التي لا يمنحها الناس للناس ولا يمنحها الناس لأنفسهم، وإنما يمنحها الله للناس حين يريح منهم الحياة وحين يريحهم من الحياة!
في الأدب الأمريكي
ريتشارد رايت
أما فرنسا فقد سافرت إليها وأقمت فيها أشهر الصيف، ولكني على ذلك لا أعد هذه الإقامة إلا إلمامة قصيرة، فقد كانت حياتي المادية أثناء هذه الأشهر في فرنسا، ولكن حياتي المعنوية أو العقلية بعبارة أدق، كانت بعيدة عنها أشد البعد، وأكاد أقطع بأني لأول مرة قد أطلت الإقامة في فرنسا دون أن أحيا فيها حياة كاملة، فلم أقرأ من الكتب الفرنسية إلا قليلا أقل مما أقرأ في القاهرة، ولم أتعمق قراءة الصحف الفرنسية، وإنما كنت أمر بها مرا سريعا، كما أمر بالصحف العربية في القاهرة مرا سريعا، أجتزئ بالعنوان في أكثر الأحيان عن قراءة ما بعده، إلا ما كان من النظام الجديد الذي شرع للجزائر فقد أتتبعه في عناية خاصة.
ومصدر ذلك أن الإنتاج الفرنسي الأدبي في هذا العام لم يغرني ولم يستخفني من جهة، وأني قد ذهبت إلى فرنسا هاربا من القاهرة لأخلو فيها إلى طائفة من الكتب ليس بينها وبين الحياة الفرنسية سبب، بل ليس بينها وبين الحياة الحديثة كلها سبب، وإنما هي كتب تتصل بالحياة العربية القديمة.
فلم أكد أبلغ فرنسا حتى خلوت إلى هذه الكتب، فكنت أغرق فيها وجه النهار وآخره، وكنت أرفه على نفسي إذا أقبل الليل بشيء من القراءة المريحة، وأرادت الظروف أن تكون هذه القراءة المريحة متصلة بأشياء لا تمس الحياة الفرنسية من قريب ولا من بعيد، وإنما هي قراءة تمس الآداب الأوروبية غير الفرنسية، أو تمس الآداب الأمريكية.
وقد يكون من الحق أن أعترف بأني قرأت كتابا فرنسيا كثر الكلام عنه جدا في فرنسا، وكاد النقاد الفرنسيون يجمعون على الإعجاب به، ولكنه لم يعجبني، وأكاد أقول إني ضقت به أكثر مما ارتحت إليه، وهو بعد هذا لا يمس الحياة الفرنسية في ظاهر الأمر، وإنما يمس حياة إفريقية الشمالية، وهو كتاب «الطاعون» للكاتب الفرنسي المشهور ألبير كامو.
وأنا أعلم أن الكاتب أراد به إلى الرمز؛ فهو يصف الطاعون الذي تخيل أنه ضرب بجرانه على مدينة وهران، فقطع ما بينها وبين العالم من الأسباب، واضطرها إلى حياة محصورة كثرت فيها الفتن والمحن والخطوب، وصرحت فيها نفوس الناس عن مكنونها، فظهر الضعف الذي ينتهي إلى التهالك، وظهرت القوة التي تنتهي إلى البطولة، وظهر الإخلاص الذي ينتهي إلى الإيثار، وظهر الجبن الذي ينتهي إلى الأثرة المنكرة.
وخلصت المدينة بعد لأي من هذا العناء البغيض، واستأنفت حياة عرجاء تحاول أن تستقل وتستقيم.
وأنا أعلم أن الكاتب أراد أن يتخذ وهران وأهلها والطاعون رمزا لفرنسا وأهلها والحرب، أو رمزا للأرض كلها وللحرب، وأنه إنما أراد أن يصور الإنسانية حين تلم بها الخطوب الفادحة، فتمحص من الناس من تمحص وتمحق منهم من تمحق.
Неизвестная страница