مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلي آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.. أما بعد.
فلما كان الدين الإسلامي دينا كاملا شاملا لما يقوم به العباد تجاه ربهم من العبادات وما يفعلونه في أنفسهم من العادات، وما يتعاملون به بينهم من المعاملات وقد جاء مبينا لأحكام ذلك تفصيلا وإجمالا، وكان مما شاع بين الناس التعامل بالمداينة وهي بيع الغائب بالناجز أو بالعكس، أو بيع الغائب بالغائب، أحببت أن أبين أحكام بعض ذلك فيما يأتي فأقول:

1 / 3

أقسام المداينة
القسم الأول: أن يحتاج إلى شراء سلعة وليس عنده ثمن حاضر ينقده، فيشتريها إلى أجلٍ معلومٍ بثمن زائد على ثمنها الحاضر فهذا جائز
مثل أن يشتري بيتًا ليسكنه أو يؤجِّره بعشرة آلاف إلى سنة، وتكون قيمته لو بيع نقدًا تسعة آلاف، أو يشتري سيارة يركبها أو يؤجِّرها بعشرة آلاف إلى سنة، وقيمتها لو بيعت نقدًا تسعة آلاف. وهو داخل في قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ١.

١ سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
القسم الثاني: أن يشتري السلعة إلى أجل لقصد الاتجار بها
مثل أن يشتري قمحًا بثمن مؤجل زائد على ثمنه الحاضر ليتجر به إلى بلد آخر أو لينتظر به زيادة السوق أو نحو ذلك، فهذا جائز أيضًا لدخوله

1 / 4

في الآية السابقة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذين القسمين أنهما جائزان بالكتاب والسنة والإجماع "ذكره ابن قاسم في مجموع الفتاوى ص٤٩٩ج٢٩"١.

١ ولا فرق في أن يكون التأجيل إلي زقت واحد أو إلي أوقات متعددة مثل أن يقول: بعته عليك بكذا علي أن يحل من الثمن كل شهر كذا وكذا ... الخ.
القسم الثالث: أن يحتاج إلى دراهم فيأخذها من شخص بشيء في ذمته
مثل أن يقول لشخص: أعطني خمسين ريالًا بخمسة وعشرين صاعًا من البُرِّ أسلِّمها لك بعد سنة، فهذا جائز أيضًا، وهو السَلمُ الذي ورد به الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قَدمَ النبي ﷺ المدينة وهم يسلِفُونَ في الثمار السنة والسنتين فقال ﷺ: "مَن أسلف فليُسْلِف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم"١.

١ رواه البخاري، كتاب مسلم "٢٢٤٠"، ومسلم كتاب المساقاة "١٦٠٤"، وأبو داود، كتاب البيوع "٣٤٦٣"، والترمذي كتاب البيوع "١٣١١"، والنسائي، كتاب البيوع "٤٦١٦"، وابن ماجة، كتاب التجارات "٢٢٨٠"، وأحمد "١/٢١٧".

1 / 5

القسم الرابع: أن يكون محتاجًا لدراهم فلا يجد من يقرضه فيشتري من شخص سلعة بثمن مؤجل،
ثم يبيعها على صاحبها الذي اشتراها منه بثمن أقل منه نقدًا، فهذه هي مسألة العينة، وهي حرام؛ لقوله ﷺ: "إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً لا يرفعه حتى يرجعوا لدينهم" [رواه أحمد وأبوداود] ١.
ولأن هذه حيلة ظاهرة على الرِّبا، فإنه في الحقيقة بيعُ دراهم حاضرة بدراهم مؤجلة أكثر منها دخلت بينهما سلعة، وقد نص الإمام أحمد وغيره على تحريمها.

١ مسند أحمد "٢/٢٨"، وسنن أبي داود، كتاب البيوع "٣٤٦٢".

1 / 6

القسم الخامس: أن يحتاج إلى دراهم ولا يجد مَن يقرضه فيشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيع السلعة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه،
فهذه هي مسألة التورق.
وقد اختلف العلماء ﵏ في جوازها، فمنهم مَن قال: إنَّها جائزة؛ لأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إمَّا عين السلعة وإمَّا عوضهَا وكلاهما غرض صحيح.
ومن العلماء مَن قال: إنها لا تجوز؛ لأن الغرض منها هو أخذ دراهم بدراهم ودخلت السلعة بينهما تحليلًا، وتحليل المحرم بالوسائل التي لا يرتفعُ بها حصول المفسدة لا يُغني شيئًا. وقد قال النبي ﷺ: "إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرأ ما نوى" ١.والقول بتحريم مسألة التورق هذه هو اختيار شيخ

١ رواه البخاري، كتاب بدء الوحي "١"، ومسلم، كتاب الإمارة "١٩٠٧".

1 / 7

الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
بل جعلها الإمام أحمد في رواية أبي داود من العينة كما نقله ابن القيم في "تهذيب السنن" "٥/٨٠١".
ولكن نظرًا لحاجة الناس اليوم وقلَّة المقرضين ينبغي القول بالجواز بشروط:
١ - أن يكون محتاجًا إلى الدراهم، فإن لم يكنْ محتاجًا فلا يجوزُ كمن يلجأ إلى هذه الطريقة ليدين غيره.
٢ - أن لا يتمكَّن من الحصول على المال بطرقٍ أخرى مباحة كالقرض والسَّلم، فإن تمكن من الحصول على المال بطريقة أخرى لم تجز هذه الطريقة لأنَّه لا حاجة به إليها.
٣ - أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الرِّبا مثل أن يقول: بعتك إيَّاها العشرة أحد عشر أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك فهو إمَّا مكروه أو محرم، نقل عن الإمام أحمد أنه قال في مثل هذا: كأنه دراهم بدراهم لا يصحّ. هذا كلام الإمام أحمد. وعليه

1 / 8

فالطريق الصحيح أن يعرف الدائن قيمة السلعة ومقدار ربحه ثم يقول للمستدين: بعتك إيَّاها بكذا وكذا إلى سنة.
٤ - أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم. فإذا تمَّت هذه الشروط الأربعة فإن القول بجواز مسألة التورق متوجهٌ كيلا يحصل تضييقٌ على الناس. وليكن معلومًا أنَّه لا يجوز أن يبيعها المستدين على الدائن بأقل مما اشتراها به بأي حال من الأحوال؛ لأن هذه هي مسألة العينة السابقة في القسم الرابع.
القسم السادس: طريقة المداينة التي يستعملها كثير من الناس اليوم،
وهي أن يتفق المستدين والدائن على أخذ دراهم العشرة أحد عشر أو أقل أو أكثر، ثم يذهبا إلى الدكان فيشتري الدائن منه مالًا بقدر الدراهم التي اتفق والمستدين عليها، ثم يبيعه على المستدين، ثم يبيعه المستدين على صاحب الدكان بعد أن يخصم

1 / 9

عليه شيئًا من المال يسمونه السعي، وهذا حرام بلا ريب، وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية في عدَّة مواضع على تحريمه، ولم يحك فيه خلافًا مع أنه حكى الخلاف في مسألة التورُّق.
والمواضع التي ذكر فيها شيخ الإسلام تحريم هذه المسألة هي:
١ - يقول في ص٧٤ من المجلد٢٨: "و... والثلاثية مثل أن يدخلا بينهما محلِّلًا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا، ثم يبيعها المعطي للرِّبا إلى أجلٍ ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلِّل. هذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي، أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدِّينَ على المعسر. ومن هذه المعاملات ما تنازع فيها بعض العلماء لكن الثابت عن رسول الله ﷺ وصحابته الكرام أنها حرام.
٢ - وفي ص٤٣٧ مجلد٢٩ قال: " ... وقول

1 / 10

القائل لغيره أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام ... إلى أن قال: وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصدُ بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية".
٣ - وفي ص٤٣٩ من المجلد ٢٩ المذكور قال: "أمَّا إذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجلٍ، والمعطي بقصد إعطاء ذلك، فهذا ربا لا ريب في تحريمه، وإن تحايلا على ذلك بأي طريق كان،. "فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى". وذكر نحو هذا في ص٤٣٠ وص٤٣٣ وص٤٤١ من المجلد المذكور وذكر نحوه في كتاب: إبطال التحليل في ص١٠٩.
وبعد، فإنَّ تحريم هذه المداينة التي ذكرنا صورتها في أول هذا القسم لا يمتري فيه شخص تجرَّد عن الهوى وعن الشح وذلك من وجوه:
* الأول: أن مقصود كل من الدائن والمدين دراهم بدراهم، ولذلك يقدِّران المبلغ بالدراهم، والكسب

1 / 11

بالدراهم، قبل أن يعرفا السلعة التي يكون التحليل بها؛ لأنهما يتفقان أولًا على دراهم: العشرة كذا وكذا ثم يأتيان إلى صاحب الدكَّان فيشتري الدائن أي جنس وجده من المال، فربما يكون عنده سكر أو خام أو أرز أو هيل أو غير ذلك، فيشتري الدائن ما وجد ويأخذه المستدين، وبهذا علم أن القصد الدراهم بالدراهم، وأن السلعة غير مقصودة للطرفين. وقد قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى"١.
ويدلُّ على ذلك أنَّ الدائن والمستدين كلاهما لا يقلِّبان السلعة ولا ينظران فيها نظر المشتري الرَّاغب، وربما كانت معيبة أو تالفًا، منها ما كان غائبًا عن نظرهما مما يلي الأرض أو الجدار المركونة إليه وهما لا يعلمان ذلك ولا يباليان به.
إذن فالبيع بيع صوريٌّ لا حقيقي، والصور لا تغيِّر

١ سبق تخريجه "ص٧".

1 / 12

المداينة | Усуль