على أننا إذا راجعنا أنواع التجارب التي سجلها النفسانيون لم نستغن بفكرة الإشعاع ولا بفكرة الجسم الصنوبري عن تعليل آخر يتصل بالعقل أو الروح.
فنحن نفهم أن الإشعاع ينقل المجسمات والمحسوسات ولكننا لا نفهم كيف ينقل الفكرة أو الصورة المتخيلة، فإذا تذبذب الشعاع بحركة الكلمات الملفوظة وصلت هذه الكلمات بحروفها وأصدائها إلى جهاز التلقي فنسمعها كلمات كلما فاه بها المتكلم من محطة الإرسال، ولكن الفكرة التي في الدماغ لا تتحول إلى كلمات بحروفها وأصدائها ولا تتأتى من تحولها حركة تهز الأثير كما تهزه حركات لأفواه، فكيف تنتقل الفكرة بالأشعة من دماغ إلى دماغ؟
وإذا فكر أحد في صورة هندسية أو حيوانية فكيف تصبح هذه الصورة حركة إشعاع كحركة المذياع؟ لقد شوهد كثيرا أن الذي ينتقل في هذه الحالة هو معنى الصورة لا شكلها ولا خطوطها التي تكونها: فإذا كان المرسل يفكر في عصفور ولا يحسن رسمه فإن المتلقي يحسن رسم العصفور إن كان من الحاذقين للرسم ولا ينقله نقلا آليا كما تمثل في الذهن الذي أرسل الصورة إليه، وكذلك يحدث في أشكال المثلثات والدوائر والمستطيلات، وكل شكل يختلف بالحجم والإتقان ويحافظ على معناه مع هذا الاختلاف.
فإذا ثبت الكشف والشعور على البعد بالتجربة التي لا شك فيها فلا بد من إثبات الأشعة العقلية أو الروحية لتعليل انتقال الأفكار بغير ألفاظ، والصور بغير حركات في الأثير.
أما الجسم الصنوبري فإذا كان عضوا طبيعيا وجب أن يكون عمله على أشده وأصحه في أصحاب الأجساد الطبيعية والأمزجة السوية، ولكن الذي يشاهد في أصحاب القدرة على التلقي أنهم يشذون عن سواء المزاج المعهود في الأصحاء، وأن هذه الملكة فيهم لا تحيا كما تحيا الأعضاء الأثرية المهملة بل تحيا كما تحيا العبقريات الخلاقة لمعاني الفنون ومبتكرات الفهم والخيال، وأن الذي يمتاز بها لا يكون أقرب إلى الحيوان بل أقرب إلى المثل الإنسانية التي تتجافى كثيرا عن الغرائز الحيوانية والنوازع الجسدية.
وإذا كان الجسم الصنوبري متلقيا للحس على أسلوب العيون والآذان والآناف وجب أن تتساوى عنده جميع المرسلات، وألا يميز ذبذبة عن ذبذبة ولا مكانا عن مكان، ووجب عند جلوس عشرة في بقعة واحدة أن يتلقوا جميعا صوت الاستغاثة المنبعث من الأماكن القصية؛ لأن هذا الصوت حركة مادية والأجسام الصنوبرية عند هؤلاء العشرة أجسام مادية تهتز بتلك الحركة على السواء، ولا يقال إن الذي يعنيه الخبر هو الذي يسمعه؛ لأن العناية تتولد من سماع الخبر لا قبل سماعه، وقد يكون المقصود بالخبر غافلا عنه غير متهيئ لسماعه في تلك اللحظة، وإذا كانت العناية من الجانبين تضيف شيئا إلى قوة الحس فهي إذن شيء «عقلي إرادي» ينحصر في العقل والإرادة ولا يعم كل حركة تخطر في الأثير.
ولا غرابة في ندرة الظواهر الروحية بين العوامل المادية، فيحس بالآثار الروحية آحاد ولا يحس بها الأكثرون؛ لأننا قد تعودنا أن نرى كائنات لا تحصى بمعزل عن فعل العقل أو الروح، ولكن الغرابة البالغة أن يكون في كل دماغ جسم صنوبري وأن تنبعث الذبذبات من جميع الأجساد بغير انقطاع ثم تنحصر ظواهر الكشف أو الشعور البعيد في آحاد معدودين.
ولا يصح أن يقاس هذا على أجهزة المذياع التي تسكن عن الإذاعة بغير تحريك أو توجيه؛ لأن امتناع هذه الآلات عن الحركة بغير مدير يعرف تركيبها هو الحالة الطبيعية التي لا يتصور لها العقل حالة سواها. أما الأحياء فإنهم هم المحركون والمتحركون، وهم المفاتيح ومديرو المفاتيح، فامتناع العمل الطبيعي فيهم مع شيوع أسبابه عجب يحتاج إلى تفسير.
وحسب الناظر في الأمر بعد هذا أن يعرف أن تجارب الشعور البعيد وما جرى مجراه تثبت عند أناس لا يعللونها بالروح ولا بالعقل المجرد، لينتفي من ذهنه أنها وهم من أوهام العقيدة وأنها خرافة متفق عليها فلا تستحق الجد في دراستها من طلاب الحقائق على سنن العلماء.
ويبدو للأكثرين من مراقبي هذه الظواهر النفسانية أن التنويم المغناطيسي أثبت من الشعور على البعد وأشيع منه وأقرب إلى التصديق والتعليل، وهو فيما نرى يعرض لنا أمثلة كثيرة لا نصادفها في ظاهرة الشعور على البعد لإثبات الاتصال العقلي بوسيلة غير وسيلة الذبذبات واستخدام الأجسام الصنوبرية؛ لأن النائم يتلقى عن منومه صورا لا يتأتى تعليلها بالإشعاع أو ما شابهه من التيارات المادية، وكثيرا ما تكون الرسائل المغناطيسية قائمة على تخيل لا وجود له في عالم الحس ولكنه ينتقل إلى ذهن النائم؛ لأن المنوم لفقه وأمره بتلقيه وتصديقه، وهو ما يرى ما في خيال المنوم ولا يرى ما في خيال غيره ولو كان معه في حجرة واحدة، وقد تعددت تعليلات الاتصال بين فكر وفكر بالوسائل المغناطيسية، ولكنها جميعا أعجب من القول بإمكان الاتصال بين العقل المجرد، والعقل المجرد بمعزل عن الحواس والوسائط المادية، ويكفي في التجارب المتواترة أن يلقي المنوم نظرة على كلمة مكتوبة أو صورة مرسومة أو يستحضر الكلمة أو الصورة في خلده ليراها النائم كما رآها المنوم أو تخيلها تخيلا لا يمثله شكل محسوس قابل لتحريك الأشعة أو التيارات، ولا ندري لماذا لا يتأتى تنويم الحيوان الأعجم ونقل المحسوسات إلى دماغه إذا كانت المسألة كلها مسألة الحواس والأعصاب والتيارات التي تنتقل كما ينتقل الشعاع.
Неизвестная страница