Аллах, Вселенная и Человек: Взгляды на историю религиозных идей
الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية
Жанры
نعم، ولكنها لم تعالج بالطريقة نفسها؛ ففي الغنوصية المسيحية هنالك فصل تام بين الله/الآب النوراني الأعلى وبين الديميرج، وهي كلمة يونانية تعني الإله الخالق. وهذا الديميرج الذي صنع العالم هو الإله التوراتي يهوه، وهم يطابقون بينه وبين الشيطان أمير هذا العالم كما يلقب في الأناجيل؛ لأن العالم شر ومن صنعة الشرير. أما في الغنوصية الإسلامية فإن الإله الخالق هو حالة وسيطة ضمن الألوهة الواحدة نفسها؛ فإخوان الصفا مثلا لا يرون أن العالم شر بطبيعته وإنما ناقص، ونقصه ناجم عن كونه الحلقة الأخيرة من سلسلة الفيض الإلهي؛ فالعلاقة بين الله وما خلق هي علاقة فيض لا علاقة صناعة يدوية؛ فما دون الله فاض عنه مثلما يفيض النور من الشمس أو مثلما يفيض الماء من النبع، وأول ما فاض عن الله جوهر روحاني في غاية التمام والكمال والفضل، فيه صور جميع الأشياء يسمى العقل الفعال، ومن العقل الفعال فاض جوهر آخر هو النفس الكلية، ومن النفس الكلية فاض جوهر آخر هو الهيولى أو المادة الأولى التي توقفت عندها سلسلة الفيض.
ثم إن المادة الأولى قبلت المقدار الذي هو الطول والعرض والعمق فصارت جسما مطلقا وهو المادة الثانية، ثم إن الجسم المطلق قبل الشكل الكروي الذي هو أفضل الأشكال، فكان من ذلك عالم الأفلاك التي أعلاها الفلك المحيط بالكل، يليه فلك الكواكب الثابتة، ففلك زحل، ثم فلك المشترى، ثم فلك المريخ، ثم فلك الشمس، ثم فلك الزهرة، ثم فلك عطارد، ثم فلك القمر، تسع أكر في جوف بعضها بعضا، أما دون فلك القمر فهنالك الأرض أغلظ الأجسام جوهرا وأكثفها جرما، وتتكون من الأركان الأربعة وهي النار والماء والهواء والتراب. وهكذا فإن ما يبدو من نقصان في عالم الأرض الذي يعيش فيه الإنسان، ناجم عن كون هذا العالم هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الفيض الإلهي وأكثرها بعدا عن مصدر الفيض. وخلال توالي هذه الحلقات كانت كل حلقة تقصر عن اللحاق بسابقتها وتعجز عن التماثل معها تماما، وصولا إلى أكثر الحلقات نقصا وعجزا وهي هذا العالم المادي الذي نعيش فيه. (س):
هل يمكننا القول إذن إن النفس الكلية هي وسيط الخلق وإنها تلعب دور الديميرج في الغنوصية المسيحية؟ (ج):
إلى حد ما إذا كان لا بد من إيجاد صلة بين المنظومتين؛ فالنفس الكلية هي أداة في الخلق، وهي التي تديم الكون وتبث فيه الحركة، وعندما ينتهي الزمن المحدد لوجود الكون تنسحب النفس منه وتبطل الحركة، وببطلان الحركة يتداعى الكون ويئول إلى الفناء. (س):
أعتقد بأنه سيكون لنا وقفة أخرى مع إخوان الصفا في سياق هذا المحور. والآن نعود إلى أصول الغنوصية المشرقية لنسأل: هل من شخصيات معروفة أخرى إلى جانب سمعان ماجوس ساهمت في تكوين الغنوصية المبكرة؟ (ج):
هنالك شخص آخر لا يخطر ببال أحد هو يوحنا المعمدان. (س):
هل هو نفس الشخصية المذكورة في الأناجيل بالاسم نفسه وفي القرآن باسم يحيى؟ (ج):
هو نفسه، ولكن الأناجيل تنسبه إلى سلسلة الأنبياء اليهود، وتجعل منه الأخير في هذه السلسلة، وتعتبر أن رسالته كانت التبشير بظهور يسوع المسيح. ولكن أخبارا أخرى وصلتنا من عصر يوحنا تفيد بأنه كان معلما غنوصيا وأن سمعان ماجوس نفسه كان تلميذا له، بل كان من أنجب تلامذته، وهذه الأخبار تكتسب مصداقية من خلال وجود طائفة معمدانية في جنوب العراق والمناطق العربية من إيران وهم الصابئة المندائيون. وهذه الطائفة هي الفرقة الغنوصية الوحيدة الباقية حتى الآن من العصور القديمة، وأفرادها يتكلمون الآرامية إلى جانب العربية، والآرامية هي لغة كتبهم المقدسة. أما عن عقائدهم فيقولون إنهم تلقوها من يوحنا المعمدان عندما كانوا يعيشون في فلسطين قبل الحرب اليهودية الرومانية التي تسببت بهجرتهم، وهم يمارسون حتى الآن طقس التعميد بالماء الجاري على سنة يوحنا. ويقوم جوهر العقيدة المندائية على الإيمان بأن نفس الإنسان هي نفحة من روح الله، وهذه النفس ستعود يوما ما إلى باريها وتتحد به في حياة خالدة. وقد حلت النفس، أو نشمتا بلغتهم، في جسد آدم ومعها شيء من جلال موطنها الأصلي وجماله، وفي الوقت نفسه حلت في ذلك الجسد روح الشر المدعوة روها، ولكن من خلال العرفان أو الماندا بلغتهم يستطيع الإنسان اكتشاف أصله السماوي ويصارع الشر في داخله، ويحقق أخيرا الانعتاق من دورة التناسخ ومن عالم المادة. (س):
لماذا دعوا أنفسهم بالصابئة المندائيين؟ وهل هم المذكورون في القرآن الكريم باسم الصابئين؟ (ج):
من الممكن أن يكونوا هم المذكورين في القرآن؛ لأن ذكرهم ورد أكثر من مرة في زمرة الأديان التوحيدية. أما عن معنى التسمية فيجب أن نبحث عنه في لغتهم لا في اللغة العربية؛ فكلمة صابئة مشتقة من الجذر صبأ الذي يعني التطهر بالماء الجاري، أما المندائية فمشتقة من كلمة مندا، التي تعني معرفة أو علما، وتعادل كلمة غنوص في اليونانية. (س):
Неизвестная страница