903

أما بعد: معاشر العرب، فإنكم كنتم من الدنيا بشر دار وضنك قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج، من العلهز والهبيد، والأعاجم لكم قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم من بلدكم إلا قلة خير بلدكم، أنتم مع الدنيا بمنزلة السقب مع الناب الضروس، متى دنا(1) إليها لينال من درها منعته(2)، إن أتاها من أمامها خبطته، أو من ورائها رمحته، أو من عرضها عضته، فما عسى أن يصيب منها على تفرق شملكم واختلاف كلمتكم، لا تحلون حلالا ولا تحرمون حراما، ولا تخافون آثاما قد ران الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطت الغبرة(3) على أبصاركم فلا تبصرون، واستكت الغفلة على أسماعكم فما تسمعون(4)، على أن عودكم نضار وأنكم دون الأخطار، ثم من الله عليكم وخصكم دون غيركم، فبعث فيكم محمدا-صلى الله عليه وآله- منكم خاصة، وأرسله للناس كافة، وجعله بين أظهركم ليميز به بينكم، وهو تعالى أعلم بكم منكم بأنفسكم، فاستنقذكم من ظلمة الضلال إلى نور الهدى، وجلى غشاوة العمى عن أبصاركم بضياء مصابيح الحق، واستخرجكم من عما بحور الكفر إلى جدد أرض الإيمان، وحمل برفقة ما انفتق من رتقكم، ورأب بيمنه ما انصدع من شعبكم، ولم باصلاحه ما حرقت الأحقاد والجهل من قلوبكم، ثم اقتضب برمحه لكم الدنيا الصعبة فذلت بعد عنت، ولبسها فأرزمت(5) وتفاجت واحتوت بعد ضرس، ودرت ومرا ضرعها بيمين كفه فأحللت أخلافها، وانبعثت أحاليبها فرامتكم كما يرام الناب المقلاة، طلاها فشربتم عللا بعد نهل، وملأتم أسقيتكم فصلا بعد اكتظاظ، وتركها-صلى الله عليه-تدور حولكم وتلوذ بكم كما تلوذ الزحور بسقبها، فلما أقام أود قناتكم بثقات الحق، ورحض(6) بظهور الإسلام عن أبدانكم درن الشك، ولحب لكم الطريق، وسن لكم السنن، وشرع لكم الشرائع خافضا في ذلك جناحه يشاوركم في أمره، ويواسيكم بنفسه، ولم يبغ منكم على [ما](1) جاءكم به أجرا إلا أن تؤدوه في قرباه، وما فعل رسول الله-صلى الله عليه وآله- ذلك حتى أنزل [الله] (2) فيه قرآنا، فقال تبارك وتعالى:{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}[الشورى:23].

Страница 355