1193

قال المسعودي: وكان القاهر قد غيب كثير من الأموال الجليلة وأخفاها عند قتله لمؤنس وبليق وابنه علي وغيرهم فلما قبض عليه وسملت عيناه وأفضت الخلافة إلى الراضي طولب القاهر بالأموال فأنكر أن يكون عنده شيء من ذلك فعذب بأنواع العذاب فلم يزده ذلك إلا إنكارا فأخذه الراضي وقربه وأدناه، وطالت مجالسته إياه وأعطاه حق العمومة والسن والتقدم في الخلافة ولاطفه وأحسن إليه، وكان للقاهر بستان نحو من حريب قد حمل إليه من البصرة وعمان ومن أرض الهند أشجار كثيرة قد اشتبكت ولاحت ثمارها كالنجوم من أحمر وأصفر وبين ذلك من أنواع الرياحين والزهر وقد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القماري والدباسي والشحارير والببغ مما قد جلب إليه من الممالك والأمصار، وكان في نهاية الحسن وكان القاهر كثير الشرب عليه، والجلوس في تلك المجالس، فلما أفضت الخلاافة إلى الراضي اشتد شفقة بذلك الموضع، فكان يداوم الجلوس والشرب فيه ثم أن الراضي رفق بالقاهر وأعلمه بما هو فيه من مطالبة الرجال من(1) الأموال، وسأله أن يسعفه بما عنده منها، وحلف له الأيمان الأكيدة ألا يسعى في قتله ولا الإضرار به فأنعم له القاهر بذلك وقال: ليس لي مال إلا في البستان فسار به الراضي إلى البستان فقال له القاهر: قد حجب بصري فلست أعرف موضعه ولكن مر بحفره فإنك تظهر على الموضع فحفر البستان وقلع تلك الأزهار والغروس والأشجار حتى لم يبق منه شيء ولم يجد شيئا فقال له الراضي: ما هاهنا شيء فما الذي حملك على ما صنعت فقال له القاهر: وهل عندي من المال شيء إنما كانت حسرتي جلوسك في هذا الموضع وتمتعك به وكان لذتي من الدنيا فتأسفت على غيري أن يتمتع به بعدي فتأسف الراضي على ما توجه عليه من الحيلة في أمر ذلك البستان وأبعد القاهر من مجلسه خوفا على نفسه أن يتناول بعض أطرافه.

Страница 80