1043

فخرج المعتصم من فوره نافرا عليه دراعة من الصوف بيضاء، وقد تعمم بعمامة(1) الغزاة فعسكر بحرين دجلة، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسارت إليه العساكر والمطوعة من سائر الإسلام، وجعل على مقدمته أشياس التركي، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميسرته جعفر بن دينار، وسار المعتصم من الثغور الشامية ودخل من درب السلامة، ودخل الأفشين من درب الحدث، ودخل الناس من سائر الدروب، فلم تكن تحصي كثرة الناس، ولا يضبطون عددا فالمكثر يقول: خمسمائة ألف والمقلل يقول: مائتي ألف، ولقى ملك الروم الأفشين فحاربه فهزمه الأفشين، وقتل أكثر بطارقته وأصحابه، وحماه رجل من المنتصرة(2)، يقال له نصير في خلق من أصحابه، وقد كان الأفشين قصر عن أخذ الملك في ذلك اليوم حين ولى، وقال: هو ملك والملوك تبقي بعضها على بعض، وفتح المعتصم حصونا كثيرة، ونزل على مدينة عمورية ففتحها، وخرج لاوز البطريق منها، وأسر البطريق الكبير منها وهو باطس، وقتل فيها ثلاثين ألفا، وأقام عليها أربعة أيام يهدم ويحرق، وأراد المسير إلى القسطنطينة، والنزول على خليجها والحيلة في فتحها(3) برا وبحرا، فأتاه ما أزعجه وأزاله من أمر العباس بن المأمون وأن أناسا قد بايعوه، وأنه كاتب طاغية الروم، فأعجل المعتصم في مسيره وحبس العباس وشيعته، وفي هذه [السنة](4) مات العباس بن المأمون، وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أدخل المارباز بن مازر بن بندار هرمس صاحب جبال طبرستان إلى سامرا فأقر على الأفشين أنه بعثه على الخروج والعصيان لمذهب كانوا اجتمعوا عليه، ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس، وقبض(5) على الأفشين قبل قدوم المارباز بيوم وأقر عليه كاتب يقال له: سابور فضرب المارباز بالسوط حتى مات، ومات الأفشين في الحبس، بعد أن جمع بينه وبين مارباز فأقر عليه، وأخرج الأفشين ميتا فصلب بباب العامة، وأحضرت أصنام زعموا أنها كانت حملت إليه، فألقيت عليه فأضرمت بالنار فأتت على الجميع، وفي سنة ست وعشرين ومائتين مات أبو دلف العجلي، وكان سيد أهله ورئيس عشيرته من عجل وغيرها من ربيعة، وكان شاعرا ، مجيدا، شجاعا، بطلا، روي أنه طعن فارسا فنفذت الطعنة إلى رجل آخر كان ورائه فقتلهما معا، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح:

الوا وينظم فارسين بطعنة

لا تعجبوا فلو أن طول قناته?

?

يوم الهياج ولاتراه كليلا

ميلا إذا نظم الفوارس مي

قال المسعودي: وذكر عيسى بن أبي دلف أن أخاه دلف كان يكنى أبوه أبو دلف، كان ينتقص عليا عليه السلام ويضع منه ومن شيعته، وينسبهم إلى الجهل، وأنه قال يوما وهم في مجلس له ولم يكن أبوه حاضرا، فقال له: لا ينتقص عليا أحد إلا كان لغير رشده، وأنتم تعلمون غيرة الأمير، وأنه لا يتهيأ الطعن على أحد من حرمه، وأنا أبغض عليا القصة، وقد تقدم ذكرها في ترجمة معاوية بن أبي سفيان فليرجع إليه.

قال: فما كان بأوشك من أن خرج أبو دلف فلما رأيناه قمنا، فقال: قد سمعت ما قاله دلف، والحديث لا يكذب، والخبر الوارد في هذا المعنى لا يخلف، هو والله لزنية وحيضة، وذلك أني كنت عليلا فبعثت لي أختي جارية لها وكنت بها معجبا فلم أتمالك أن وقعت عليها، وكانت حائضا فعلقت به، فلما ظهر حملها وهبتها لي، وكان الغالب على أبي دلف التشيع والميل إلى علي عليه السلام، قال: وبلغ من عداوة دلف[هذا] (1) لأبيه ونصبه ومخالفته له أن شنع عليه بعد وفاته في حديث رواه عنه المسعودي تركته أنا.

وروى ابن خلكان: أن أبا دلف لما مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول عليه لثقل مرضه، فاتفق أن أفاق في بعض الأيام فقال لحاجبه: من بالباب من المحاويج؟

Страница 24