1039

قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية، إنها مدينة سام بن نوح فاستمراها المعتصم فاستطاب هواها، وأقام هنالك ثلاثا يتصيد، فوجد نفسه تتوق إلى الغداء وتطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة فدعا بأهل الدير فاشترى منهم أرضهم بأربعة آلاف دينار وارتاد لبناء قصره [موضعا](1) فيها فأسس بنيانه، وهو الموضع المعروف بالوزيرية بسرمن رأى، واليها يضاف التين الوزيري وهو أعذب الأتيان وأرقها قشرا وأصغرها حبا، فارتفع البنيان، ونقل إليها أنواع الغروس والأشجار، فجعل للأتراك قطائع منجزة، وجاورهم بالفراعنة والأشروسية وغيرهم من مدن خراسان على قدر قربهم منهم في بلادهم، وأقطع أشياس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف [بكرخ سامراء ومن الفراعنة من أنزلهم الموضع المعروف](2) بالقمري والجسر، وأفرد أهل صنعه بسوق وكذلك التجار(3)، فبنى االناس وشيدت القصور والدروب وكثرت العمارة(4) وانبسطت المياه، وجرت من دجلة وغيرها، وتسامع الناس أن دار ملك قد اتخذت فقصدوها، وجهزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس وغيرهم من الحيوان، وكثر العيش واتسع الرزق، وكان ذلك سنة احدى وعشرين ومائتين، وكان قد اشتد أمر بابك الباطني، وسارت عساكره نحو تلك الأمصار فدق العساكر وكسر الجيوش، وعليها الأفشين وكثرت حروبه(5) واتصلت، واتهم الأفشين بمداهنته والميل إلى مذهبه،ثم أنه ضاق بابك في بلاده فانتقض جمعه وقتل رجاله، وامتنع بالجبل المعروف باليد من أرض الران، وهي بلاد بابك، ثم هرب من موضعه وزال عنه فتنكر هو وأخوه وولده وأهله ومن تبعه من خواصه، وقد تزيا بزي السفر وأهل التجارة فنزلوا على راعي غنم، فابتاعوا منه شاة وساموه شراء شيء من الزاد لهم فمضى من فوره من(6) سهل بن سيباط فأخبره الخبر وقال: هو بابك لا شك، وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه خشي أن يعتصم ببعض الجبال المنيعة، أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة ببعض تلك الديار فيكثر جمعه، وينضاف إليه قلال عسكره فيرجع إلى ما كان من أمره، فلما سمع سهل بن سيباط من الراعي ما أخبره بذلك سار من فوره فيمن حضر من عدده وأصحابه، حتى أتى الموضع الذي به بابك فترجل له ودنا منه وسلم عليه بالملك،وقال له: أيها الملك، قم إلى قصرك الذي فيه وليك، وموضع يمنعك الله فيه من عدوك، فسار معه إلى أن أتى قلعته وأجلسه على سريره ورفع منزلته، ووطاه منزل ومن معه وقدمت المائدة وقعد يأكل معه فقال له: بابك بجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما دفع(1) إليه، أمثلك يأكل معي؟

فقام سهل عن المائدة، وقال: أخطأت أيها الملك، وأنت أحق من احتمل عنده إذا كانت منزلتي ليست [بمنزلة] (2) من يأكل مع [الملوك] (3) وجاءه بحداد، وقال له: مد رجليك أيها الملك وأوثقه بالحديد.

فقال له بابك: أغدرا يا سهيل.

Страница 19